بقلم آدم شي جينغ
على ضفاف النهر الأصفر، تناقلت الأجيال فن الووشو (الفنون القتالية الصينية التقليدية) لآلاف السنين؛ وعلى ضفاف النيل، يتطلع الشباب العربي بشغف إلى فنون الكونغ فو. ورغم بُعد المسافات، نسجت حركاتٌ قتاليةٌ بسيطةٌ رابطاً وثيقاً بين حضارتين عريقتين. في تسعينيات القرن الماضي، توجه مدرب الووشو لو جيان مين من مدينة خهتسه بمقاطعة شاندونغ إلى مصر مرتين لتعليم الووشو ونقل مهاراته؛ وبفضل إيمانه العميق بهذا الفن، أسهم في تحقيق إنجاز تاريخي تمثل في إحراز أول ميدالية ذهبية لأفريقيا في بطولة العالم للساندا، كما واصل لأكثر من عقد من الزمن ترسيخ حضور الووشو على ضفاف النيل. لم يقتصر دوره على تعليم التقنيات القتالية فحسب، بل نقل أيضاً روح الووشو القائمة على التواضع والتسامح. وبفضل إصراره المتواصل، شقّ طريقاً للتبادل الشعبي قوامه التواصل عبر الووشو وتقارب القلوب.
في فبراير 1997، وبعد خضوعه لسلسلة من إجراءات الموافقة الصارمة، غادر لو جيان مين إلى مصر التي كانت من أوائل الدول الأفريقية التي شهدت تطوراً مبكراً لرياضة الووشو؛ ورغم أن مدربين صينيين اثنين كانا قد توليا مهمة التدريب فيها لفترة قصيرة من قبل، إلا أن منظومة التدريب المحلية لم تكن مكتملة.
في نوفمبر 1997، أُقيمت بطولة العالم الرابعة للووشو في روما، حيث لم يكن يُسمح لكل فريق بإشراك أكثر من خمسة لاعبي ساندا. وبعد ستة أشهر من التدريبات المكثفة والصقل المتواصل، ظهر المنتخب المصري عالمياً؛ وتمكن روبيا من تخطي جميع منافسيه ليحرز أول ميدالية ذهبية لأفريقيا في تاريخ بطولة العالم للساندا، فيما حصد الفريق وقتها ميدالية فضية وأخرى برونزية.
عقب انتهاء البطولة، أرسل كلٌّ من الاتحاد المصري للووشو والسفارة خطاباً إلى الاتحاد الصيني للووشو، طالبا فيه بشدة بتمديد عقد لو جيان مين والإبقاء عليه في منصبه. وخلال السنوات الثلاث التي أمضاها في مصر، لم يقتصر تعليمه على المهارات القتالية فحسب، بل حرص أيضاً على غرس أخلاقيات وآداب الووشو الصينية في كل حصة تدريبية؛ فكان اللاعبون يؤدون تحية القبضة المضمومة قبل بدء التدريب، ويلتزمون بالاحترام واللياقة عند تسليم المعدات وتسلّمها، كما كان يُمنع منعاً باتاً توجيه الضربات إلى المناطق الحيوية أو استخدام الأساليب غير النزيهة لتحقيق الفوز في المنافسات.
في عام 2007، توجه لو جيان مين إلى مصر للمرة الثانية لتولي مهمة تدريبية استمرت أكثر من ثلاث سنوات. وفي ذلك العام، أُقيمت بطولة العالم التاسعة للووشو باعتبارها حدثاً تجريبياً لدورة الألعاب الأولمبية في بكين؛ ومع اعتزال معظم لاعبي الجيل السابق وظهور فجوة فنية لدى الجيل الجديد، أعاد لو عملية اختيار اللاعبين وتنظيم معسكر تدريبي من الصفر. وفي هذه البطولة، حصد المنتخب المصري ميداليتين فضيتين وعدداً من الميداليات البرونزية، محققاً تقدماً مطرداً في نتائجه؛ أما في بطولة العالم العاشرة للووشو، حقق الفريق إنجازاً لافتاً بحصوله على ثلاث ميداليات ذهبية وميداليتين فضيتين وميداليتين برونزيتين، ليستعيد بذلك مكانته كأحد القوى البارزة في الووشو الأفريقية، ويستمر في مستوى لأربع أو خمس سنوات بعد عودة لو جيان مين إلى الصين.
مرت سنوات طويلة، وأصبح الشباب المصريون الذين تدربوا على يد لو جيان مين رجالاً ناضجين، وتحول العديد منهم إلى ركائز أساسية في هذا المجال؛ فحصل بعضهم على مؤهلات التحكيم الدولي في رياضة الووشو، بينما أسس آخرون مدارس لتعليم ونقل التايجي والساندا. ويُعد حسن أحد أبرز هؤلاء التلاميذ وأكثرهم نموذجية. وبعد تجاوز حواجز اللغة والمكان والثقافة، أصبح لو جيان مين بالنسبة إلى حسن بمثابة أحد أفراد أسرته.
واليوم، اقترب لو جيان مين من عامه السبعين ويعيش حياة التقاعد مستقراً في مدينة خهتسه بمقاطعة شاندونغ، لا يزال يحمل في قلبه اهتماماً عميقاً واشتياقاً إلى تلاميذه الذين تركهم على ضفاف النيل. ورغم بُعد المسافات وحاجز اللغة بين البلدين، لم يكن أمام المعلم وتلاميذه سوى وسائل اتصال محدودة لتبادل الأخبار؛ ففي كل مكالمة، لا يتمالك تلاميذه المصريون أنفسهم من البكاء معبرين عن اشتياقهم العميق إلى معلمهم. وكثيراً ما يتمنى لو جيان مين أن تتاح له في المستقبل فرصة أخرى للعودة إلى مصر، ليرى كيف تطورت رياضة الووشو هناك اليوم. وفي نظره، لم تقتصر مهمة المدرب الموفد إلى الخارج يوماً على تعليم المهارات القتالية فحسب؛ فالووشو يمثل أيضاً جسراً ثقافياً يربط بين قلوب الشعبين، ودبلوماسية شعبية صامتة.
مهارةٌ واحدة قد تعبر آلاف الأميال، وروحُ الووشو قادرة على الربط بين قارتين. وعلى مدى عقود من الزمن، اتخذ لو جيان مين من الووشو الصيني وسيلةً لإيقاد شعلة هذا الفن على ضفاف النيل؛ فبإخلاصه وثباته، حصد مشاعر الأخوة والصداقة التي تجاوزت حدود البلدان. وكانت ميداليات بطولات العالم شاهداً على انتقال المهارات واستمرار إرث الووشو، بينما أصبح لقب “الأب الصيني” الذي يناديه به تلاميذه خير دليل على تقارب القلوب بين الشعبين. فلا بُعد المسافات حال دون انتقال روح الووشو، ولا امتداد السنين استطاع أن يمحو أواصر الصداقة بين البلدين. وبروح الووشو التي تجمع القلوب، وبصدق المشاعر التي تقرّب بين الشعوب، تواصل هذه الرحلة المتبادلة عبر آلاف الأميال كتابة فصل دافئ من تلاقي الحضارتين الصينية

