بقلم يانغ ينغ إعلامية صينية
في ساعات الصباح الأولى، وقبل أن ينقشع الضباب عن الوديان الجبلية في محافظة يينغجيانغ التابعة لمقاطعة يوننان جنوب غربي الصين، تتردد زقزقات الطيور بين الجداول وقمم الأشجار. وتحتضن هذه المنطقة الحدودية مئات الأنواع النادرة من الطيور، لتتحول اليوم إلى وجهة يقصدها هواة مراقبة الطيور والمصورون من مختلف أنحاء البلاد. لكن هذا المشهد لم يكن قائماً قبل أكثر من عشر سنوات، حين كانت المنطقة تعاني هشاشة بيئية واعتمد كثير من سكانها على الصيد وقطع الأشجار لتأمين سبل العيش.
أما اليوم، فقد أصبح كثير من الأهالي حماةً للطبيعة، مستفيدين من اقتصاد مراقبة الطيور لتحقيق توازن بين حماية البيئة وتحسين مستوى المعيشة، في تجربة تجسد مساراً عملياً للتنمية الخضراء.
ويرى الزوار الدائمون أن ما يميز يينغجيانغ لا يقتصر على تنوع الطيور وكثافتها، بل يشمل أيضاً العلاقة المتناغمة بين الإنسان والطبيعة. ويوضح وو تينغ تشي، القادم من مدينة شنتشن بعد تقاعده، أن يينغجيانغ تُعد من أفضل الوجهات الصينية لمراقبة الطيور، بفضل احترافية المرشدين المحليين، والتنظيم الجيد لمواقع المراقبة، والدعم الحكومي الواضح لحماية البيئة.
وتعود نقطة التحول إلى تأسيس جمعية يينغجيانغ لمراقبة الطيور عام 2015. فقد أدرك رئيسها بان دينغ يينغ أن الحظر الإداري للصيد وحده لا يكفي، وأن نجاح حماية البيئة يتطلب تحويل الموارد الطبيعية إلى منافع ملموسة للسكان المحليين.
وبالتعاون مع جهات متخصصة، أعادت الجمعية توثيق موارد الطيور، ليرتفع عدد الأنواع المسجلة من 450 إلى 720 نوعاً، كما عملت على تدريب مرشدي الطيور المحليين. وفي قرية شيتي وحدها، يوجد نحو خمسين مرشداً محترفاً يقودون الجولات بشكل مستقل.
كما نظمت الجمعية برامج تدريبية شملت التعرف على أنواع الطيور وآداب الاستقبال وإرشادات السلامة، ما أتاح لبعض السكان الذين كانوا يعتمدون سابقاً على الصيد اكتساب مهارات جديدة والانخراط في هذا القطاع.
ومع تطور التجربة، أُنشئت مواقع مهيأة لمراقبة الطيور وتصويرها بطريقة تراعي الحفاظ على بيئتها الطبيعية، لتصبح أحد الأعمدة الأساسية لاقتصاد مراقبة الطيور في يينغجيانغ.
ويرى بان دينغ يينغ أن التحول الحقيقي بدأ عندما لمس القرويون الفوائد الاقتصادية المباشرة. فبعد أن كان الحديث عن الحماية البيئية يواجه صعوبة في التقبل، أصبح السكان أكثر استعداداً لحماية الطيور عندما أدركوا أنها توفر لهم دخلاً مستقراً، في تجسيد عملي للمقولة الصينية الشهيرة التي تؤكد أن “المياه الصافية والجبال الخضراء ثروة لا تقل قيمة عن الذهب والفضة”.
وتتمتع يينغجيانغ بمقومات طبيعية فريدة، إذ يسمح تفاوت الارتفاعات فيها بمشاهدة أنواع مختلفة من الطيور، بينما تضم المنطقة نحو نصف أنواع الطيور المسجلة في الصين، ما يجعلها واحدة من أغنى المناطق الصينية من حيث التنوع الحيوي.
وبالتوازي مع جهود الجمعية، وفرت الحكومة المحلية الدعم اللازم لتطوير هذا القطاع. فقد عملت على تحسين الطرق والبنية التحتية، وتطوير الخدمات، وتشجيع السكان على المشاركة في الأنشطة المرتبطة بمراقبة الطيور.
ويشير ليو آن ننغ، نائب أمين لجنة الحزب وعمدة بلدة تايبنغ، إلى أن قرية شيتي كانت تعاني سابقاً من الفقر وتدهور البيئة، لكنها نجحت في كسر الحلقة المفرغة التي ربطت بين الفقر واستنزاف الموارد الطبيعية من خلال الجمع بين حماية البيئة وإنعاش الريف.
ومع ازدياد أعداد الزوار، ظهرت بيوت ضيافة ومشاريع خدمية جديدة، وعاد بعض الشباب إلى قراهم لبدء أعمالهم الخاصة. ولم يعد اقتصاد مراقبة الطيور نشاطاً محدوداً، بل تحول إلى نموذج تنموي تشارك فيه مختلف فئات المجتمع المحلي.
وتجاوزت عائدات مراقبة الطيور في قرية شيتي عشرة ملايين يوان خلال عام 2025، ما انعكس بشكل مباشر على تحسين مستوى معيشة السكان.
ويجسد شيو شياو لونغ، أحد المرشدين المحليين، هذا التحول. فبعد سنوات من الاعتماد على الصيد والزراعة، أصبح اليوم يعمل مرشداً لمراقبة الطيور ويدير بيت ضيافة ريفياً، مؤكداً أن تحسن البيئة وازدياد أعداد الطيور والسياح غيّر حياة كثير من أبناء القرية نحو الأفضل.
ورغم النجاحات التي تحققت، لا تزال هناك تحديات تتعلق بتطوير البنية التحتية وتحسين مستوى تنظيم القطاع. ويؤكد بان دينغ يينغ أن مستقبل هذه الصناعة يجب أن يقوم على الاستفادة الرشيدة من الموارد الطبيعية، وتعزيز استخدام التكنولوجيا، ووضع معايير أكثر دقة لضمان استدامتها.
ومن تجربة بدأت بإصرار عدد محدود من الأشخاص، تحولت يينغجيانغ إلى نموذج يثبت أن حماية البيئة وتحسين معيشة السكان ليسا خيارين متعارضين، بل يمكن لكل منهما أن يدعم الآخر ويعززه.
هذه هي قصة يينغجيانغ، قصة حقيقية من الحدود الجنوبية الغربية للصين، تروي مسيرة التنمية الخضراء والتعايش المتناغم بين الإنسان والطبيعة.
