هناك أشخاص نعبر بهم في حياتنا، وهناك أشخاص تترك أصواتهم وأعمالهم وذكرياتهم أثراً لا يزول. وأحمد عدوية بالنسبة لي لم يكن مجرد نجم من نجوم الأغنية الشعبية المصرية، بل كان جزءاً من تفاصيل مرحلة من حياتي، ووجهاً أعرفه عن قرب، بحكم أنني كنت من سكان العمارة التي بناها في المعادي.
ومن هنا بدأت حكايتي الخاصة مع عدوية.
كنت أراه، وألتقي به في مناسبات متعددة، وكانت لقاءاتنا تحمل دائماً تلك الروح المصرية التي تميز شخصيته. لم يكن بالنسبة لي مجرد فنان أستمع إليه من خلال الراديو أو أشرطة الكاسيت، وإنما إنسان أراه أمامي وأتعامل معه، وأتابع عن قرب جانباً من حياته بعيداً عن خشبة المسرح وأضواء الشهرة.
كنت أحب أحمد عدوية وأحب أغانيه، وما زلت حتى اليوم عندما أسمع صوته أشعر بما نسميه نحن المصريين “السلطنة”.
صوت من قلب الشارع
أحمد عدوية لم يكن مجرد مطرب شعبي بالمعنى التقليدي للكلمة. لقد كان ظاهرة فنية واجتماعية.
ظهر في وقت كانت فيه الأغنية المصرية تبحث عن لغة جديدة تصل إلى الناس، فجاء عدوية بصوت مختلف، وأداء مختلف، وشخصية مختلفة. حمل معه مفردات الشارع المصري، وأحلام الناس البسطاء، وأفراحهم وهمومهم، وحولها إلى أغنيات أصبحت جزءاً من الذاكرة المصرية.
من «بنت السلطان» إلى «زحمة يا دنيا زحمة» و**«سلامتها أم حسن»** و**«السح الدح إمبو»**، استطاع عدوية أن يصنع لنفسه مكانة لا تشبه مكانة أي مطرب آخر.
كان يغني ببساطة، لكنه لم يكن بسيطاً في تأثيره.
وهنا تكمن عبقريته.
عدوية الذي عرفته
ربما تختلف صورة الفنان في عيون الجمهور عن صورته في الحياة اليومية. الجمهور يرى النجم على المسرح، يسمع صوته، يتابع أخباره، ويصنع في خياله صورة عنه.
أما أنا فقد أتيحت لي فرصة مختلفة.
كنت من سكان العمارة التي بناها عدوية في المعادي، ولذلك كانت لقاءاتنا جزءاً من الحياة اليومية، وليست مجرد لقاء عابر بين إعلامي وفنان.
وهذه المسافة القريبة جعلتني أرى في عدوية الإنسان قبل النجم.
كنت أحب فيه عفويته، وأحب تلك الروح المصرية التي لا تستطيع أن تفصلها عن صوته وفنه. وربما لهذا السبب تحديداً كانت أغانيه تصل إليّ بطريقة مختلفة.
كنت عندما أسمع عدوية لا أسمع مجرد كلمات ولحن وأداء؛ كنت أسمع مصر.
مصر التي تضحك رغم التعب، وتغني رغم الهم، وتبحث دائماً عن لحظة فرح وسط الزحام.
«السلطنة» التي صنعها عدوية
هناك مطربون يجيدون الغناء، وهناك مطربون يجعلونك تشعر بأن الغناء جزء من حياتك.
عدوية كان من النوع الثاني.
صوته يحمل حالة خاصة. فيه خشونة الشارع، ودفء الحارة، ومرح المصريين، وفيه أيضاً مساحة من الحزن المختبئ خلف الضحكة.
ولذلك عندما كنت أستمع إليه كنت أشعر بما لا يمكن وصفه بسهولة.
السلطنة.
تلك الحالة التي يتوقف فيها الإنسان عن تحليل الأغنية، ويترك نفسه للصوت والإيقاع والكلمة والذكريات.
عدوية كان قادراً على صناعة هذه الحالة.
ولعل هذا أحد أسرار بقائه في وجدان المصريين حتى بعد رحيله.
من شارع محمد علي إلى قلوب الملايين
بدأ أحمد عدوية من البيئة الفنية الشعبية، وارتبط اسمه بشارع محمد علي والأفراح والحفلات، قبل أن يصبح واحداً من أشهر الأصوات المصرية.
وفي سبعينيات القرن الماضي، حدث التحول الكبير.
دخل عدوية إلى البيوت المصرية من خلال أشرطة الكاسيت، وانتشرت أغانيه بصورة هائلة، وأصبح صوته حاضراً في الأفراح والمقاهي والسيارات والبيوت.
ولم يكن نجاحه مجرد نجاح تجاري؛ فقد كان تعبيراً عن تحول مهم في الذوق الموسيقي المصري.
لقد أثبت أن الأغنية الشعبية تستطيع أن تكون صناعة ونجاحاً جماهيرياً، وأن الفنان القادم من الشارع يستطيع أن يصبح نجماً تتحدث عنه الصحافة والسينما والتليفزيون.
ولذلك لم يكن غريباً أن يحظى بتقدير عدد من كبار الفنانين والموسيقيين في مصر.
عدوية والسينما
لم يكتفِ عدوية بالغناء، وإنما دخل عالم السينما وشارك في عدد كبير من الأفلام، مقدماً نفسه بشخصيته المحبوبة وأغنياته وحضوره الكوميدي.
وكان وجوده في الفيلم يعني غالباً أن الجمهور ينتظر الأغنية قبل أي شيء آخر.
فعدوية لم يكن مجرد ممثل يؤدي دوراً؛ كان عدوية نفسه، وهذه ميزة لا يحصل عليها إلا عدد قليل من الفنانين.
حين يمرض الجسد ولا يموت الفنان
كانت رحلة عدوية مليئة بالمحطات الصعبة، ومن أصعبها الأزمة الصحية التي تعرض لها في نهاية الثمانينيات، والتي أبعدته عن الساحة الفنية فترة طويلة وأثرت في قدرته على الغناء.
لكن الفنان الحقيقي لا يموت بمجرد ابتعاده عن المسرح.
قد يغيب الصوت، لكن تبقى الأغنية.
وقد يبتعد الفنان عن الأضواء، لكن تظل صورته في ذاكرة الناس.
وهذا ما حدث مع أحمد عدوية.
عاد في مراحل لاحقة إلى الساحة، وظهر في أعمال ولقاءات فنية، وكان لابنه الفنان محمد عدوية دور مهم في مساعدته على العودة إلى الجمهور.
لكن الحقيقة أن عدوية لم يكن بحاجة إلى إثبات شيء.
فقد صنع مكانته بالفعل.
رحل عدوية… وبقيت الأغنية
في 29 ديسمبر 2024 رحل أحمد عدوية عن عالمنا، تاركاً وراءه تاريخاً طويلاً من الأغنيات والحكايات والذكريات.
رحل الرجل، لكن صوته لم يرحل.
وكلما سمعت «بنت السلطان»، أو «زحمة يا دنيا زحمة»، أو إحدى أغنياته ومواويله، أتذكر ذلك الفنان الذي لم يكن بعيداً عني، والذي جمعتني به لقاءات بحكم السكن في العمارة التي بناها في المعادي.
أتذكر عدوية الإنسان، قبل عدوية النجم.
وأتذكر أن الشهرة الحقيقية ليست في عدد الصور التي يلتقطها الفنان مع الناس، ولا في عدد العناوين التي تكتب عنه، وإنما في الأثر الذي يتركه في قلوبهم.
وأحمد عدوية ترك أثراً لا يزال حياً.
عدوية وأنا… حكاية من زمن جميل
ربما لا يعرف كثيرون أن وراء كل نجم كبير حكايات صغيرة لا تظهر في الصحف ولا على شاشات التليفزيون.
حكايتي مع عدوية واحدة من هذه الحكايات.
لم أكن مجرد مشاهد يعشق أغانيه، بل كنت جاراً التقى به أكثر من مرة، ورأيت عن قرب جانباً من حياة الرجل الذي ملأ الدنيا غناءً وفرحاً.
ولهذا عندما أكتب اليوم عن أحمد عدوية، لا أكتب فقط عن الأب الروحي للأغنية الشعبية المصرية، ولا عن صاحب «بنت السلطان» و«زحمة يا دنيا زحمة»، وإنما أكتب عن إنسان عرفته وأحببته.
وأقول له، بعد أن رحل:
وحشتنا يا عدوية…
وحشتنا أغانيك، وحشتنا ضحكتك، وحشتنا تلك الحالة التي كنت تصنعها بمجرد أن يبدأ صوتك.
وكلما جاءت أغنية لك من بعيد، سأترك نفسي لها، وأعود إلى تلك الأيام، وأعيش لحظة من السلطنة التي لا يعرف سرها إلا عدوية.
رحم الله أحمد عدوية…
فناناً وإنساناً وجاراً عزيزاً،
وصوتاً سيظل جزءاً من ذاكرة مصر.
— الإعلامي خالد سالم
