معالي الامين العام
الاخوة الاعزاء اصحاب السعادة السفراء المندوبون الدائمون والأمناء المساعدون
الاخوات والاخوة أعضاء الامانة العامة
نعم لقد حانت لحظة المغادرة..
تلك اللحظة التي تأتي دوماً.. وحتماً.. ونخشى قدومَها.. تماماً كما هو الحال عندما نستمع الي سرد قصة مثيرة ونخشى أن تحين النهاية وتتوقف الاحداث.. حانت هذه اللحظة نعم.
حانت لحظة توديع البشر والحجر بعد عقد كامل من العطاء والعمل.. ثلاثة الاف وستمائة وخمسين يوما بالتمام والكمال.. مائة وعشرون شهراً.. خمسمائة وعشرون اسبوعاً..
حانت لحظة تبادل عبارات أصدق التمنيات وأطيب التحيات..
ومعها تحين أيضا لحظة مهمة للوقوف قليلاً سوياً والنظر الي الخلف لتقييمه استشرافاً لمستقبلٍ نرغب جميعاً في أن يكون مشرقاً لمنظمتنا العتيدة..
اسمحوا لي اذن ان اطرق باب الانسانيات والمشاعر أولا قبل أن أدلف الي حديث العقل والعمل..
معالي الامين العام
عندما فاتحتموني في أمر الاستعانة بي داعماً ومساعداً علي أداء الأمانة التي كلفكم بها القادة العرب عام ٢٠١٦ لم يخطر ببالي للحظة أنني سأمكث في بيت العرب هذه المرة عشر سنوات كاملة.. كان في ذهني أنني سأعمل لعام أو عامين أعود بعدها الي الخارجية المصرية لاستأنف عملي بها في مناصب مختلفة..
ولكن هيهات.. فالأقدار كما تعلمون دائما تراقبنا وهي تضحك من ثقتنا الهائلة بذاتنا ونحن نخطط لمستقبل لا نملك فيه ناصية أي شيء.. فكل شيء مخطط مسبقاً في السماء.. وهأنذا أقف امام حضراتكم بعد سنوات عشر لتوديعكم بصحبة معاليه.
ولكي أبدأ حديث القلب والمشاعر فلابد أن أبدأ حيث البداية الصحيحة.. أبدأ بكم معالي الامين العام.. وبالحديث عنكم وعن قيادتكم لهذه المؤسسة العريقة.. والشهادة مجروحة كما يقال وقبل ان ابدأها..
فقد وفرتم – وليس ذلك بغريب عنكم – علي مدار تلك السنوات نموذجاً نادراً في القيادة.. قيادة تتسم بالثقة الهائلة في الذات مع الادراك الكامل لقدرات الآخرين ووضعها مواضعها الصحيحة.. وكان هذان – أكثر من اي عنصر آخر – هما جناحا قيادتكم السديدة للعمل في المؤسسة طوال ولايتيكم الاثنتين.. وكانت الثقة التي وضعتموها في والصداقة التي شرفتموني بها منذ سنوات طويلة كانت كلها عوامل أساسية في حسن اضطلاعي بمهام منصبي..
فكل الشكر والعرفان والتقدير لكم معالي الامين العام.. ليس فقط علي قيادتكم الرشيدة ولكن قيادتكم الانسانية أيضاً والتي لمسها كل من اقترب منكم.. فقد قدتم سفينة صعبة في أجواء دقيقة لنصل بها جميعا الي نقطة أمان نتمكن فيها من تسليم الراية لمن يخلف.. ونجلس سوياً لنتابع ابحار السفينة في مستقبل الأيام..
الاخوة والاخوات
سعيت منذ اليوم الأول لتولي مسؤوليتي الي أن تربطني بقيادات العمل العربي المشترك وأعني بهم هنا الزملاء الافاضل السابقين والحاليين من السفراء المندوبين الدائمين والامناء المساعدين) طبعا بخلاف الاخوة مديري المنظمات المتخصصة والذين كانت لنا فرصة توديعهم في اجتماعنا الأخير بعمان منذ أيام).. أقول سعيت لأن تربطني بحضراتكم أفضل الصلات والأواصر في إطار من الاحترام والود الذي تطور- لسعادتي الكبيرة- الي صداقات حقيقية وكثيرة.. واذ أقف هنا اليوم بينكم فإنني أتذكر كلَ صديقة وصديق.. زميلة وزميل سعدت بالعمل معهم.. بما في ذلك من انهوا أعمالهم مع الجامعة وغادروا مواقعهم.. صحيح انه في حالات عديدة لم تكن الامور بالسهولة التي تمنيتها.. فالعمل يضع قيوده وضغوطه على الجميع.. لكنني من ناحيتي كنت أسعى دوماً الي أن يكون اضطلاعي بمهامي ممتزجاً بالبسمة وهدوء الخاطر ومؤصلاً في قيم احترام الانظمة واللوائح.. فليس أفضل من الابتسام وهدوء الخاطر والالتزام بالنظام لإنجاز اي مهمة ولو كانت شديدة الصعوبة..
كم واجهنا سوياً من تحديات ومصاعب… صغيرة وكبيرة.. لتسيير سفينة العمل العربي.. وفي الغالب الأعم كان النجاح حليفنا.. مؤتمرات صعبة.. اجتماعات عسيرة.. مواقف مختلفة.. وأقول لحضراتكم اليوم انني مدين لمعظمكم بالكثير.. في معاملاتنا وفي اجتماعاتنا وفي ممارسة اعمالنا اليومية.. فتحية تقدير ومودة وشكر للمخلصين من أبناء وطننا العربي ومحبي العمل العربي جميعا ومحبينا الذين بادلونا الشعور ذاته.. وكم سيسعدني أن نبقي دوماً علي تواصل.
أما الاخوة والاخوات أعضاء الامانة العامة الموقرون فلهم أقول..
لقد كانت الخدمة بالأمانة العامة تحدياً كبيراً في مجملها وإن تخللتها لحظات كثيرة من التمتع بصحبة المتميزين والمخلصين.. نسجتُ قدر امكاني علاقات تتسم بالإنسانية والمودة جنباً الي جنب مع مقتضيات الادارة الناجحة.. بطبيعة الحال وككل بيئات العمل يكون هناك تفاوت في الاداء وفي القدرة علي الانجاز وتحمل المسؤولية والاختيارات السليمة.. وهذا أمر طبيعي.. فأنتم تحملون راية أساسية من رايات العمل العربي المشترك.. وطبيعي أيضاً ان تكون هناك مطالب بعضها عادل ومحق للعديد من حضراتكم أتمنى ان يحمل لكم المستقبل كل التوفيق في تلبيتها.
فالشكر كل الشكر يجب أن يوجه الي المخلصين والمميزين من أبناء الامانة العامة علي حمل الأمانة.. كل في درجته ومنصبه ومسؤوليته كبرت أو صغرت… فلولاكم أنتم لسقطت الامانة في براثن من لا يحفظها.. ولكنكم حافظتم عليها معنا.. وأثق انكم ستستمرون في ذلك مسلحين بضمير عربي يقظ وبحرص وظيفي اعتدتم عليه.
والحديث أيضا عن حاضرين.. غائبين اليوم.. وهم من خارج الملاك.. حملوا معنا الامانة بإخلاص وتفان احيانا في ظل ظروف مادية صعبة وأعني بهم الاخوة السفراء رؤساء البعثات في الخارج.. ومنهم بعض من خيرة من عملوا في الخارجيات العربية.. وتشرفت بأن ربطتني بهم علاقات عمل ناجحة وببعضهم صداقة مميزة تجمعني بهم الي اليوم.. شكرا لكم علي جهودكم الدؤوبة والمحترمة.
كلمة أخيرة في هذا المقام للمجموعة التي عملت معي عن قرب.. مجموعة مكتب الأمين العام.. إن لكم مكانة خاصة في القلب.. فقد عملتم بتفان واخلاص ومحبة.. وكان اداؤكم رفيعاً وتفانيكم في العمل مميزاً علي كافة المستويات.. فكل الشكر لكم جميعاً فرداً فرداً علي مثابرتكم وصبركم علي تحمل ضغطي في العمل والانجاز.. كل التقدير والمحبة وأتمني لكم التوفيق في مستقبل الايام.
معالي الامين العام
الاخوة والاخوات
بما أن تلك هي المناسبة الاخيرة لمخاطبة هذا الجمع الكريم.. فلابد أن أشير الي بعض ما تحقق علي مدار السنوات العشر بكم وبدعمكم دولاً وموظفين..
فمن تحديث البنية الاساسية الرقمية للأمانة العامة الذي سمح لنا بأن ندخل العصر الرقمي بإمكانيات مناسبة.. الي تحويل مجلس الجامعة لجهاز يعمل بشكل رقمي بالكامل وبدون اوراق للمرة الاولي منذ انشاء الجامعة.. الي تطوير القاعة الكبري وملحقاتها علي النحو الرائع الذي نراه كل يوم.. الي المشاركة هائلة النجاح للجامعة في اكسبو دبي ٢٠٢١.. ومن استعادة مكافأة نهاية الخدمة للموظفين لتكون شهرين بدلا من شهر واحد الذي أجحف بحقوق الكثيرين.. الي المشروع الضخم الذي أجهدني شخصياً وهو انشاء الملحق العراقي المتميز.. بما يتضمنه من مكاتب ومسرح وقاعات اجتماعات وخلافه.. والي إنشاء متحف الجامعة الدائم الذي يحفظ ذاكرة العمل العربي المشترك لأجيال قادمة.. ومن تنظيم اكثر من عشر قمم عربية وعربية اسلامية وعربية اوروبية وعربية صينية.. الي عدد يصعب حصره من اجتماعات التعاون والمنتديات الناجحة.. والشراكات الهامة مع منظمات ودول صديقة وكيانات خاصة وغيرها..كل هذا وأكثر تم بعمل حضراتكم جميعاً .. دولاً ومندوبيات وأعضاء أمانة الجامعة.. وهذا كله دون ان نشير الي دوائر العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقانوني والمالي والتقني التي يتوالى العمل فيها يوماً بعد يوم تحقيقاً وصوناً للمصالح العربية.
وإذا كان من الطبيعي أن نتوقف اليوم أمام ما تحقق من إنجازات خلال السنوات الماضية، فمن الطبيعي أيضًا أن ندرك أن مسيرة العمل لا تتوقف، وأن أمام هذه المؤسسة العريقة آفاقًا واسعة لمزيد من التطوير والعطاء. وأغادر موقعي وأنا على ثقة بأن الجامعة العربية ستواصل أداء رسالتها، مستندة إلى ما تملكه من خبرات متراكمة وكوادر مخلصة، وإلى الدعم الذي تحظى به من دولها الأعضاء، بما يمكنها من الاستمرار في خدمة العمل العربي المشترك وتعزيز دوره في المرحلة المقبلة.
معالي الامين العام
الاخوة والاخوات
أغادر هذا المنصب العربي السامي بنفسٍ راضية وضميرٍ مستريح علي ما تمكنتُ من الاسهام في تحقيقه خلال تلك السنوات العشر الماضية.. فقد شهدت تلك السنوات اختباراً حقيقياً للنظام العربي وقدرته على الصمود. وقد خرجتُ من هذه التجربة أكثر اقتناعًا بأن ما يجمع العرب هو أكبر بكثير مما تبرزه خلافاتهم، وأن الأزمات مهما طالت تبقى عابرة، أما روابط الثقافة واللغة والجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة فباقية بقاء الدهر.
ولست بصدد سرد تفصيلي للجهود الكبيرة التي بذلت في هذا الملف او ذاك.. فمن فلسطين الحبيبة التي تسيطر علي القلب والعقل وتعبئ المشاعر وتجند لها الطاقات.. الي القضايا الأخرى التي تطلب وتستدعي دعما عربياً سياسياً ضرورياً بدءا من لبنان العزيز ووضعه شديد الدقة الذي يستلزم مؤازرته ومساندته.. الي سوريا الصامدة التي عانى شعبها كثيراً وآن له أن يستريح.. الي اليمن الجريح الذي نأمل أن يعود سعيداً مستقراً في أقرب الآجال.. الي ليبيا الفتية التي نتمنى أن تستعيد وحدتها قريباً.. الي السودان الغالي الذي نتألم لألمه ونتمنى لأهله الكرام كل خير واستقرار وسلام..
وكذا القضايا الأخرى التي تعمل فيها الامانة بلا كلل.. من قضايا التكامل الاقتصادي الي تحديات البيئة والنقل والمياه والطاقة الي منتديات التعاون الاقتصادي مع الشركاء الي تعزيز عمل المنظمات العربية المتخصصة الي دعم التعاون العربي في مجال الاتصالات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.. ومن السياسات الاجتماعية وتعزيز قدرات الدول الاعضاء علي التداعي في الازمات الي العمل المشترك في مجالات الصحة والتعليم وشؤون المرأة والطفل وحقوق الانسان والشباب والرياضة وغيرها.. ومن الموضوعات القانونية والانسانية الي بقية مناحي العمل العربي المشترك.. الي اصلاح بيت العرب وما أدراك ما اصلاح بيت العرب.. جدول عمل زاخر بالموضوعات التي يربأ الاعلام العربي بنفسه أن يغطيها للأسف وبالتالي لا سبيل للمواطن العربي أن يعي أو يدرك قيمة العمل الكبير الذي تضطلع به هذه المؤسسة الضخمة.
يطول السرد ويطول الحديث حول ما تم وما كان يجب أو يمكن أن يتم.. ما أُنجزَ وما كان يجب أن ينجز.. حديث طويل خضتُه مع العديد من حضراتكم في السابق.. ويسعدني أن نستكمله في المستقبل..
ومن واقع هذه التجربة، أستطيع أن أقول إن أهم ما تعلمته هو أن العمل العربي المشترك ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة التحديات التي تواجه أمتنا. فكلما اشتدت الأزمات، ازدادت الحاجة إلى التشاور والتنسيق والحفاظ على الحد الأدنى من المواقف المشتركة. صحيح أن العمل العربي لا يحقق دائمًا كل ما نطمح إليه، لكنه يظل الإطار الذي يحفظ التواصل وربما يحول دون أن تتحول الخلافات إلى قطيعة، ويُبقي الباب مفتوحًا أمام التفاهم والتوافق واستعادة التضامن متى توافرت الإرادة لذلك..
ومع اختلاف الرؤى والمواقف وتباين الأولويات، تبرز الحاجة إلى الحفاظ على قنوات الحوار وأن يظل التشاور والتنسيق العربي قائماً وفعالاً. وقد أكدت لي هذه التجربة أن بقاء هذا الإطار الجامع، واستمرار التواصل بين الدول العربية في مختلف الظروف، يمثل في حد ذاته قيمة كبيرة ينبغي الحفاظ عليها والبناء عليها من أجل الأجيال القادمة.
وفي الختام أقول..
كم يودع الدبلوماسي من أصدقاء وزملاء وأماكن ومدن طوال مسيرته..
لكن عندما تبقي في مدينتك فالتوديع في هذا المقام يصبح بمثابة “الي اللقاء” لأننا سنلتقي حتماً في دروب القاهرة وأمكنتها وحفلاتها..
كانت رحلة السنوات العشر المنقضية ذاخرةً بالعمل وبالمصاعب وبالتحديات وبالإنجازات..
هل كانت تستحق عناء المكابدة…؟
ربما – والقول هنا للقلب قبل العقل- لو عادت عقارب الساعة معالي الامين العام كنت سأختار من البداية الاستمرار في الجامعة لكامل المدة..
لا لشيء إلا لأن متعة الرحلة توازي أحياناً متعة الإنجاز والتغلب علي الصعاب..
بل أقول أكثر من ذلك..
فالرحلة في حد ذاتها هي انجاز..
نحمد الله علي سلامة الوصول.. وصون الأمانة.
شكرا لحضراتكم جميعاً
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
