بقلم الإعلامي خالد سالم
في وطن كان الفن فيه سفيرًا لا يحمل جواز سفر، وصوتًا يصل إلى كل بيت عربي دون استئذان، أصبح كثير من الفنانين والمخرجين والمؤلفين، بل وكل العاملين في صناعة الدراما، يحملون لقبًا جديدًا لم يكن يخطر ببال أحد: “فنان بدرجة عاطل”.
لم تعد الأزمة مجرد قلة إنتاج، بل تحولت إلى واقع يعيشه آلاف المبدعين الذين يقفون اليوم على هامش المشهد، بينما انحصرت فرص العمل في دائرة ضيقة، وأصبح المجال الفني مغلقًا أمام أعداد كبيرة من أصحاب الخبرة والشباب الذين أنفقوا سنوات عمرهم في دراسة الإعلام والفنون المسرحية والسينما والإخراج والتصوير والمونتاج وكتابة السيناريو.
لقد أدى تركّز الإنتاج الدرامي والإعلامي في نطاق محدود إلى شعور واسع لدى كثير من العاملين بالمهنة بأن فرصهم في العمل تقلصت بشكل كبير، خاصة مع محدودية عدد الجهات المنتجة مقارنة بما كان عليه الوضع في سنوات سابقة. وعندما تقل المنافسة، تضيق مساحة الاختيار، ويصبح آلاف الموهوبين خارج دائرة الإنتاج، رغم امتلاكهم الخبرة والقدرة على الإبداع.
أما ماسبيرو، الذي كان يومًا مصنع النجوم ومنارة الإعلام العربي، فقد تراجع حضوره الإنتاجي والإعلاني بصورة أثرت على دوره التاريخي في اكتشاف المواهب وصناعة الدراما. كان التلفزيون المصري ينتج عشرات الأعمال سنويًا، ويفتح أبوابه أمام المبدعين من مختلف المحافظات، أما اليوم فقد تقلص هذا الدور بشكل ملحوظ.
وفي المقابل، يبرز سؤال مشروع: أين دور المؤسسات المعنية؟
أين وزارة الإعلام، بعد غيابها كمظلة تضع رؤية إعلامية وثقافية متكاملة؟ وأين الدور الحقيقي للنقابات الفنية في الدفاع عن حقوق أعضائها، والمطالبة بتوسيع سوق العمل، وفتح آفاق جديدة للإنتاج، وحماية المهنة من الركود؟ وأين وزارة الثقافة التي تمتلك من الإمكانات البشرية والفنية ما يؤهلها لإطلاق مشروعات إنتاجية وثقافية أكبر، بدلاً من الاكتفاء بعدد محدود من الفعاليات والعروض؟
إن القوى الناعمة المصرية ليست ترفًا، وليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي أحد أهم مصادر التأثير الإقليمي، وأحد الأصول الاقتصادية والثقافية للدولة. لعقود طويلة، كانت الدراما المصرية والأغنية والمسرح والسينما والكتاب المصري تصدّر الثقافة إلى العالم العربي، وتحقق عوائد اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، وتدعم مكانة مصر وريادتها.
الفن المصري لم يكن يومًا مجرد كاميرا وممثلين، بل كان مشروعًا وطنيًا. قدم أعمالًا حاربت التطرف، وواجهت المخدرات، وناقشت البطالة، ورسخت قيم الانتماء والعمل والعلم والأسرة. كانت الشاشة المصرية مدرسةً تُربي، قبل أن تكون وسيلةً للتسلية.
واليوم، نجد مشهدًا مؤلمًا لا يليق بدولة تمتلك هذا التاريخ. خريجو كليات الإعلام يعملون في توصيل الطلبات أو في مراكز خدمة العملاء، ليس انتقاصًا من قيمة أي مهنة شريفة، ولكن لأنهم درسوا وتخصصوا وأعدّوا أنفسهم للعمل في الإعلام والصحافة والإنتاج التلفزيوني. وكذلك خريجو المعاهد الفنية والكليات المتخصصة، الذين أصبح كثير منهم بعيدًا عن المهنة التي حلم بها، بينما تُهدر طاقات كان يمكن أن تساهم في نهضة فنية جديدة.
إن القضية ليست قضية فنان يبحث عن دور، ولا مخرج ينتظر فرصة، ولا مؤلف ينتظر من يقرأ نصه، بل هي قضية صناعة كاملة تحتاج إلى إعادة النظر في سياسات الإنتاج، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتشجيع المنافسة، وإعادة الحياة إلى المؤسسات الوطنية المنتجة، وإتاحة الفرصة أمام جيل جديد من المبدعين دون إقصاء أو احتكار.
إن إنقاذ الفن المصري ليس مطلبًا لفئة بعينها، بل ضرورة وطنية وثقافية واقتصادية. فكل جنيه يُستثمر في صناعة الفن يعود بعوائد تتجاوز الأرقام؛ يعود بصورة مصر، وتأثيرها، وقوتها الناعمة، وفرص العمل التي توفرها لعشرات الآلاف من الفنانين والكتاب والمخرجين والفنيين والإعلاميين.
لقد آن الأوان لأن نستعيد إيماننا بأن الفن ليس عبئًا على الدولة، بل استثمار في الإنسان، وفي الوعي، وفي الاقتصاد، وفي مستقبل مصر.
أعيدوا العمل لفناني البطالة… رحمكم الله.
