بقلم : د. محمد جمال الدين
ثمة حقائق لا تستقيم الأوطان إلا بها، ولا تبقى الأمم متماسكة من دونها، وفي مقدمتها اللغة والدين والذاكرة التاريخية، فالأمم لا تُبنى بالحجر والإسمنت وحدهما، بل تُبنى أولاً في وجدان أبنائها، وتتشكل في عقولهم من خلال اللغة التي ينطقون بها، والقيم التي يؤمنون بها، والتاريخ الذي يختزن ذاكرتهم الجمعية وحين تضطرب هذه المرتكزات أو تتراجع مكانتها في منظومة التعليم، فإن المجتمع لا يكون بصدد تطوير أدواته التعليمية بقدر ما يكون بصدد إضعاف جذوره الرمزية، وإحداث شرخ خفي في بنيته الثقافية والحضارية. من هذه الزاوية تبدو الأزمة المثارة حول جدوى تدريس مواد اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني لطلاب المدارس الدولية والتجريبية ومدارس اللغات، أزمة تتجاوز حدود المناهج والدرجات والإمتحانات، لتصبح سؤالاً فلسفياً يتعلق بمعنى الإنتماء ذاته، إذ كيف يكون الإنسان منتمياً إلى وطن لا يعرف لغته، ولا يدرك تاريخه، ولا يعي منظومته القيمية والدينية؟. لقد حسم الدستور المصري هذه المسألة بوضوح عندما نص على أن اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني بفروعه مواد أساسية في التعليم قبل الجامعي بجميع أنواعه، حكومياً كان أو خاصاً، ولم يكن هذا النص ترفاً تشريعياً أو نزعة إيديولوجية ضيقة، وإنما جاء إنطلاقاً من إدراك عميق بأن التعليم ليس مجرد نقل للمعارف والمهارات، بل هو قبل كل شيء عملية بناء للهوية وصياغة للإنسان المواطن. من هنا فإن ما حدث في بعض المدارس الدولية والتجريبية ومدارس اللغات من تهميش فعلي لهذه المواد أو التعامل معها بوصفها مواد هامشية لا قيمة لها، يمثل مخالفة صريحة لروح الدستور والقانون قبل أن يكون مخالفة لنصوصهما، والأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات التعليمية وفق ما تم تداوله تجاوزت حدود التقصير، إلى العبث بنتائج الطلاب وتضخيم درجاتهم، بصورة لا تعكس مستوياتهم الحقيقية، وهو أمر يفرغ العملية التعليمية من مضمونها الأخلاقي والتربوي، ويحول التعليم من رسالة لصناعة الإنسان إلى مجرد آلية لإنتاج شهادات شكلية. إن اللغة العربية ليست مادة دراسية عادية يمكن الإستغناء عنها أو تقليص حضورها، بل هي الوعاء الذي يحمل الوعي الجمعي للأمة، إنها لغة القرآن الكريم، ولغة الفكر والأدب والتاريخ، والجسر الذي يربط المصري بجذوره العربية والحضارية، والإنسان لا يفقد لغته فحسب حين يهجرها، بل يفقد معها جزءاً من ذاكرته ورؤيته للعالم، فاللغة ليست أداة للتخاطب فقط، وإنما هي طريقة في التفكير، ومنظومة من القيم، وخريطة للإنتماء الثقافي. وإذا كان من حق الأسر أن تختار لأبنائها نمط التعليم الذي تراه مناسباً، ومن حق الدولة أن تنفتح على النظم التعليمية الدولية وتستفيد من تجاربها، فإن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لصناعة أجيال منقطعة الصلة بلغتها وثقافتها وتاريخها، فالتعليم ينبغي أن يكون نافذة على العالم لا قطيعة مع الذات، وجسراً نحو الإنسانية لا باباً للإغتراب الثقافي. وكذلك الأمر بالنسبة للتربية الدينية، فهي ليست مجرد معلومات تلقينية أو مقررات جامدة، وإنما تمثل إطاراً أخلاقياً وقيمياً يسهم في بناء الضمير الإنساني، ويغرس معاني التسامح والمسؤولية والإنضباط وإحترام الآخر، أما التاريخ الوطني، فإنه الذاكرة الحية للأمة، وبدونه يفقد الإنسان إدراكه لمسار مجتمعه وتضحيات أسلافه ومنجزات حضارته، فيصبح أكثر عرضة للتبعية الفكرية والإنسلاخ عن محيطه الوطني. ومن ثم فإن موقف وزارة التربية والتعليم في هذه القضية يبدو موقفاً صحيحاً من حيث المبدأ والغاية، حتى وإن اختلف البعض معها في ملفات تعليمية أخرى، فالإختلاف مع السياسات العامة لا يعني إنكار الصواب حين يكون الصواب جلياً، والدولة التي تصر على أن يعرف الطالب المصري لغته، وأن يدرس دينه، وأن يدرك تاريخ بلاده، لا ترتكب جرماً ولا تمارس تضييقاً، بل تؤدي إحدى أهم وظائفها الحضارية، ألا وهي حماية الهوية الوطنية من التآكل، وصون الشخصية المصرية من الإغتراب والإنقسام، إذ إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تدريس العربية أو التاريخ أو الدين، وإنما يكمن في تخريج أجيال تحمل الجنسية المصرية على الأوراق، بينما تعيش وجدانياً ولغوياً وثقافياً خارج دوائر الانتماء الوطني، وحينئذ لا تكون الأزمة أزمة مناهج دراسية، بل أزمة هوية ووعي ووجود. إن الأمم التي تفقد لغتها، وتستهين بتاريخها، وتهمش منظومتها القيمية، لا تنهزم عسكرياً بالضرورة، وإنما تتآكل من الداخل حتى تصبح غريبة عن نفسها، ولذلك فإن الدفاع عن اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني ليس دفاعاً عن مواد دراسية بعينها، بل هو دفاع عن فكرة الوطن نفسها، وعن حق الأجيال المقبلة في أن تنفتح على العالم وهي ثابتة الجذور، واسعة الأفق، لكنها تعرف من تكون، وإلى أي أرض تنتمي، وبأي لغة تنطق روحها.
