شهدت فعاليات المونديال المغاربي للمسرح بمدينة البيضاء في ليبيا لحظة استثنائية، حيث أعادت فرقة المسرح المصري أم كلثوم إلى خشبة المسرح من خلال عرضها البديع لمسرحية “الست”، التي قُدمت كضيف شرف على المهرجان، بتوقيع المخرج والكاتب ناصر عبد الحفيظ، وبطولة الفنانة نهلة خليل.

المسرحية التي جذبت أنظار الجمهور والنقاد، أعادت إلى الأذهان زمن الفن العربي الأصيل، وأكدت أن مصر لا تزال حاضنة للإبداع والمسرح الجاد. وكتب عصام شعيب، الذي تابع العرض عن كثب، أنه تحوّل من موقع الصحفي الراصد إلى متفرج متأثر، مبهور بالأداء الساحر، لدرجة أنه لم يتمكن من كبح حماسه وهتف من أعماقه: “عظمة على عظمة يا ست”، رغم تنبيه أحد زملائه بأن التصفيق ممنوع في عروض المونودراما.

الفنانة نهلة خليل، بصوتها العذب وحضورها الطاغي، نجحت في تجسيد شخصية كوكب الشرق بشكل فني وإنساني لافت. لم يكن أداؤها مجرد غناء أو تمثيل، بل تجسيدًا حيًا لذاكرة فنية مشتركة، مما جعل الجمهور يعيش أجواء الطرب الأصيل، حتى أن الشباب من الجيل الجديد تفاعلوا مع العرض بشغف، ما يُعد دليلاً على نجاح العمل جماهيريًا، وليس فقط فنيًا.

العمل اعتمد على نص ذكي ومتماسك مزج بين التوثيق والسرد الدرامي بانسيابية، مستعرضًا مراحل مهمة في حياة أم كلثوم، وعلى رأسها علاقتها بالموسيقار بليغ حمدي، التي أنتجت مجموعة من أجمل الأغاني في تاريخ الطرب العربي. السينوغرافيا جاءت غنية رغم الإمكانيات المحدودة، وأسهمت في تعزيز العمق البصري للمسرحية.

ويُعد عرض “الست” جزءًا من مشروع فني شامل يقوده ناصر عبد الحفيظ من خلال “فرقة المسرح المصري”، التي أُسست لتقديم أعمال مسرحية جادة ومتميزة. وقدمت الفرقة مؤخرًا خمسة عروض متنوعة ضمن مشروع “المسرح الثري”، وهي: “متجوزين واللا..؟!”، “الجوازة باظت”، “وجوه”، “بليغ”، و”الست”. كما وزعت الفرقة كتيبًا توثيقيًا فاخرًا يرصد نشاطاتها وجولاتها العربية ولقاءاتها مع المسؤولين ووزراء الثقافة، ما يعكس تنظيمًا محترفًا وطموحًا كبيرًا لمواصلة النجاح.

مسرحية “الست” ليست فقط تحية لفنانة عظيمة، بل هي أيضًا تأكيد حيّ على أن المسرح العربي لا يزال قادرًا على التأثير، واستعادة جمهوره، والتجدد دون أن يفقد هويته.
