كتب: محمود العميد
في مركز ناصر بمحافظة بني سويف، يواصل الحاج عمر الجندي، البالغ من العمر 53 عامًا، ممارسة واحدة من أقدم المهن الشعبية في مصر، وهي مهنة “المجبراتي”، التي تختص بعلاج الكسور والإصابات العضلية بطريقة تقليدية، دون تدخل جراحي أو أدوات حديثة، بل بخبرة متوارثة وحسٍ طبي فطري.
يروي عمر بفخر أنه ورث هذه المهنة عن والده الذي كان مشهورًا في المنطقة بقدرته على علاج الإصابات والكسور، كما أن عمته “نعيمة”، التي تُوفيت عن عمر ناهز 120 عامًا، كانت تُعرف بأنها من أقدم المجبّرات في صعيد مصر، وتمتعت بسمعة طيبة بين الأهالي لما قدمته من علاج ناجح لمئات الحالات.
بدأ عمر الجندي احتراف المهنة قبل أكثر من 30 عامًا، وتمكن خلالها من علاج مئات الحالات المصابة بالكسور والالتواءات ومشكلات العظام، ليس فقط من محافظة بني سويف، بل من مختلف محافظات مصر وبعض الدول العربية. كما تلقى دعوات من الخارج للسفر من أجل علاج حالات معقدة، ما يدل على الثقة الواسعة في خبرته ومهارته.
ويشير الجندي إلى أن مهنة المجبراتي تواجه خطر الاندثار، في ظل التطور الطبي وانتشار المستشفيات، إلا أنه يحرص على مواصلة العمل بها، ليس فقط لكونها مصدر رزقه، بل لأنها إرث عائلي عزيز على قلبه. ويوضح أن المهنة تعتمد على خبرة تراكمية في تحسس العظام وتقدير مواقع الكسور وتثبيتها بطرق تقليدية باستخدام الجبائر الطبيعية ورباطات خاصة.
وأكد الجندي أن ضميره المهني يدفعه لتحويل بعض الحالات إلى أطباء متخصصين في العظام، عندما يرى أن الوضع يتطلب تدخلاً طبيًا أو جراحيًا لا يمكن التعامل معه بالطرق التقليدية، موضحًا أن التعاون بين الطب الشعبي والحديث ضروري لمصلحة المريض.
يحظى عمر الجندي باحترام كبير من أبناء منطقته، الذين يرون فيه رمزًا لتراث طبي شعبي لا يزال يحمل قيم التراحم والخدمة المجتمعية. ولا يخفي أمنيته بأن يتم توثيق هذه المهنة وتدريب الأجيال الجديدة عليها للحفاظ على ما تبقى من معارفها، مؤكدًا أن المجبراتي كان ولا يزال ملاذًا للآلاف، خاصة في المناطق الريفية التي تفتقر للخدمات الطبية المتخصصة.
