بقلم/ محمد سعد
في فترة التسعينات استطاع برنامج “كلام من دهب” أن يحفر اسمه في تاريخ التلفزيون المصري كواحد من أنجح برامج المسابقات. قدمه الإعلامي طارق علام بأسلوب بسيط وعفوي، جعله قريبًا من الناس، فلم يكن يتصنع عليهم بملابسه الفاخرة أو سياراته الفارهة، بل كان واحدًا منهم، يذهب إليهم في الشوارع والأسواق، ويمنحهم المساحة ليكونوا أبطالًا حقيقيين وليس مجرد كومبارس.

ما ميز البرنامج هو ذكاء أسئلته وتنوع إجابات المشاركين، التي كانت تثير الضحك أحيانًا وتكشف عن ثقافة وتقدير للعلم والمعرفة في أحيان أخرى. وكانت الجائزة، وهي جنيه ذهب، رمزًا للقيمة والتميز، وليس مجرد مال يُلقى بلا هدف. إلى جانب ذلك، لم يكن “كلام من دهب” مجرد برنامج مسابقات، بل حمل بعدًا إنسانيًا، حيث دعم الحالات المحتاجة، وساند المتفوقين وأصحاب المواهب، مما جعله يحافظ على نجاحه لسنوات طويلة، رغم محاولات تقليده التي لم تستطع أن تنافس مكانته في قلوب الجماهير ؛ ورغم توقفه لفترة ربما بسبب إنشغال مقدمه الإعلامي طارق علام بأشياء أخرى مثل تجربته التمثيلية في بعض الأفلام منها ” الراية حمرا والكافير ” إلا انه أعاد البرنامج على احدى القنوات الخاصة واستمر في تقديمه لوقت قريب .
واليوم جاء الفنان محمد رمضان ببرنامجه الجديد “مدفع رمضان”، في محاولة بائسة لاستنساخ نجاح “كلام من دهب”، ولكن بصورة مبتذلة ومهينة. فبدلًا من أن يكون الناس هم أبطال البرنامج، يظهر رمضان فوق سيارته الفارهة، محاطًا بحشود تبحث عن فرصة للحصول على “إعانة فقر” يوزعها النجم، الذي يتقمص دور “المخلّص”،بفتح الخاء ؛لكنه في الحقيقة لا يقدم سوى استعراض مادي فجّ.

أما عن فكرة اختيار المستحقين، فقد تفتقت عبقرية البرنامج عن طريقة غريبة، وهي منح الجائزة لمن يحمل هاتفًا قديمًا بلا كاميرا! وكأن امتلاك هاتف حديث أصبح معيارًا للغنى، والفقر يقاس بعدم القدرة على شراء هاتف متطور! وهكذا، يتم انتقاء شخص من بين آلاف المتجمعين، ليتم تصعيده على سيارة رمضان الفارهة، ويسأله النجم ساخرًا: “معاك موبايل غير ده؟”، فيجيبه الشاب الذي يظن أن أبواب السماء قد انفتحت أمامه: “لا والله، أنا شغال باليومية على باب الله”. هنا، يمنحه رمضان 100 ألف جنيه دون أي مجهود أو تفكير، وكأن العمل والاجتهاد لم يعد لهما قيمة، وكأن الحل الوحيد للخروج من الفقر هو انتظار أن يلتقطك الحظ في برنامج مسابقات عشوائي!
أما مظهر رمضان، من ملابسه الغريبة وإكسسواراته الفاخرة، إلى طريقته في تقديم المساعدات، فيجعل منه أبعد ما يكون عن الناس البسطاء الذين يدّعي تمثيلهم. فبينما استطاع طارق علام أن يكسب حب الجماهير بـ “كلام من دهب”، لن تنجح ملايين “مدفع رمضان” في الوصول إلى قلوبهم، ولن يستطيع رمضان خداعهم ببرنامجه، كما يفعل مع ضيوفه الذين يضع فوق رؤوسهم “السلطانية”!
