بقلم يانغ ينغ إعلامية صينية
تُعرف مدينة فوشان في جنوبي الصين بأنها إحدى أهم مدن الفنون القتالية، كما تُعدّ مهدًا رئيسيًا لثقافة “الأسد المستيقظ”؛ وهو النمط الجنوبي من رقصة الأسد الصينية التقليدية والمدرج ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي على المستوى الوطني في الصين.
وعلى خلاف النمط الشمالي الذي يركّز بصورة أكبر على العروض البهلوانية والطابع الترفيهي، تتميز رقصة الأسد المستيقظ في فوشان بارتباطها الوثيق بالفنون القتالية، حيث يؤدي راقصان حركات دقيقة ومتناسقة على إيقاع الطبول والصنوج، بينما ترافقهما شخصية “بوذا ذو الرأس الكبير” ذات القناع المبتسم، وهي عنصر فريد في ثقافة الأسد المستيقظ بمنطقة قوانغدونغ.
وفي منطقة لينغنان، لا تمثل هذه الرقصة مجرد عرض احتفالي، بل تجسّد قيماً ثقافية مرتبطة بالشجاعة والتكاتف والتفاؤل. لذلك اعتاد الناس تقديمها خلال الأعياد، وافتتاح المتاجر، والمناسبات الكبرى تعبيرًا عن التهاني وتمنيات الخير.
في إحدى مدارس الفنون القتالية بمدينة فوشان، التي يعود تاريخها إلى سبعين عامًا، لا تزال أصوات الطبول تتردد كل مساء. ويتولى لي يينغ لون، المدرب الرئيسي لرقصة الأسد المستيقظ، تدريب الطلاب وتصحيح حركاتهم وقيادة الفريق. وقد بدأ شغفه بهذا الفن منذ طفولته، حين كان يقلّد حركات الأسد مستخدمًا بطانية أو مقعدًا بدل رأس الأسد الحقيقي، قبل أن يتحول ذلك الشغف إلى مسيرة حياة كاملة.
التحق لي يينغ لون بالمدرسة عام 2005، ووفقًا لتقاليدها، كان عليه أن يتقن أساسيات أسلوب “قبضة عائلة تشو” قبل أن يُسمح له بتعلم رقصة الأسد. واليوم، أصبح أحد الأعمدة الأساسية في المدرسة، حيث يجمع بين التدريب ونشر التراث الثقافي غير المادي، إلى جانب شقيقه الأصغر لي يينغ جي، الذي يوظف خلفيته في الفنون التشكيلية لتطوير أساليب عرض هذا التراث والترويج له.
ويتولى إدارة المدرسة بان يونغ شنغ، أحد ورثة التراث الثقافي غير المادي لأسلوب “قبضة عائلة تشو”. ويرى أن سرّ استمرار ثقافة الأسد المستيقظ يكمن في الحفاظ على جذورها القتالية، إذ يلتزم الجميع بقاعدة ثابتة: تعلّم الأخلاق أولًا، ثم الكونغ فو، وبعدها فقط تبدأ ممارسة رقصة الأسد.
وتضم المدرسة اليوم نحو عشرة مدربين وما بين خمسين وستين طفلًا، يتلقون تدريبات تجمع بين المهارات البدنية والانضباط الذهني والقيم الثقافية. ولضمان استمرار المدرسة، يعتمد القائمون عليها أيضًا على المسابقات والعروض الاحتفالية والمناسبات الشعبية، التي أصبحت مصدرًا مهمًا لدعم نشاطها.
وخلال السنوات الأخيرة، قاد لي يينغ لون فرقته إلى منصات أوسع داخل الصين وخارجها، حيث قدموا عروضًا في ماليزيا وهونغ كونغ وماكاو، وأسهموا في تعريف جمهور أوسع بثقافة لينغنان ورقصة الأسد المستيقظ.
لكن الحفاظ على هذا التراث لم يعد مهمة سهلة. فقد أدت أنماط الترفيه الحديثة ومحتوى الفيديو القصير إلى تراجع اهتمام بعض الشباب بالفنون التقليدية، كما أن انخفاض معدلات المواليد انعكس على أعداد المتدربين الجدد. ولهذا، بدأت المدرسة في تكثيف جهودها لإدخال هذا الفن إلى المدارس والمجتمعات المحلية، حتى يقترب الأطفال من التراث الثقافي غير المادي في حياتهم اليومية.
وفي هذا الإطار، يشارك لي يينغ لون بنفسه في الأنشطة التعليمية داخل المدارس، حيث يعتمد أساليب مبسطة تقوم على الألعاب والتشجيع التدريجي لمساعدة الأطفال على اكتساب الثقة، قبل الانتقال إلى تعليم الحركات الأساسية.
ومن أبرز مبادراته أيضًا تأسيس فرقة نسائية لرقصة الأسد المستيقظ، في خطوة كسرت الصورة النمطية التي حصرت هذا الفن طويلًا في الرجال. فرغم صعوبة التدريبات وثقل المعدات والحاجة إلى تنسيق عالٍ بين أعضاء الفريق، أثبتت الفتيات قدرتهن على تقديم عروض متميزة، وحصدن جوائز مهمة بعد سنوات من التدريب المتواصل.
ولا يقتصر الحفاظ على هذا التراث على من يظهرون أمام الجمهور. فخلف العروض المبهرة يقف أشخاص يعملون بصمت، مثل المدرب لو قوه بياو، الذي علّم نفسه بنفسه صناعة رؤوس الأسود التقليدية وتطويرها لتقليل تكلفتها وزيادة متانتها. وكثير من أعضاء هذه المدرسة يمارسون أعمالهم نهارًا، ثم يكرسون أمسياتهم للتدريب والتعليم، مدفوعين بالشغف والإيمان بأهمية ما يقومون به.
واليوم، لم تعد رقصة الأسد المستيقظ مجرد فقرة احتفالية في المناسبات، بل أصبحت نافذة يتعرف من خلالها المزيد من الشباب على ثقافة لينغنان وجزءًا من الجهود الرامية إلى إحياء التراث الثقافي الصيني وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة.
وعلى امتداد سبعين عامًا، لم تنقطع أصوات الطبول والصنوج في هذه المدرسة بمدينة فوشان. فمن بان يونغ شنغ إلى الأخوين لي يينغ لون ولي يينغ جي، وصولًا إلى المتدربين الشباب الذين يواصلون حمل الشعلة، تتجدد قصة هذا الفن العريق جيلاً بعد جيل.
وهكذا، يواصل إيقاع الأسد المستيقظ دويّه، لا بوصفه ذكرى من الماضي، بل كتقليد حيّ يجد لنفسه مكانًا في حياة الناس وفي ملامح الصين المعاصرة.
