لم يعد يخفى على أحد من الناس ما للاسلكي من عظيم الأثر ووجوب الاهتمام به وتوجيهه إلى الناحية الصالحة المنتجة. ولئن كانت الإذاعة اللاسلكية متشعبة الأطراف تبعاً لتشعب العلوم والفنون، وكانت كلها في مجموعها تهمني بصفة عامة، فإنه يعنيني طبعاً بصفة خاصة ما هو متصل منها بالموسيقى، سواء أكان ذلك فيما يؤدى بواسطة المقرئين والمطربين أم الفرق الموسيقية على اختلاف أنواعها أم الاسطوانات أم المقطوعات الفكاهية أم الأناشيد. وتلك الناحية الموسيقية هي أساس الإذاعات اللاسلكية.. ليس في مصر وحدها بل في سائر الممالك التي يوجد فيها اللاسلكي ـ إذ تستغرق أكثر من ثلاثة أرباع الزمن الكلي للإذاعة العامة؛ فهي لذلك لا تعنيني وحدي بصفتي موسيقية، ولا يقتصر الاهتمام بها على فئة الموسيقيين أو محبي الموسيقى، إنما تعني كل متصل باللاسلكي متصدّر لشئون الإذاعة.
وإني لأتقدم بملاحظاتي عن العلاقة التي يجب أن تكون بين الهيئات الثلاث التي ترتبط بها الإذاعة الموسيقية وهي:
الجمهور، والفنانون المذيعون، وإدارة المحطة.
أما الجمهور وهو الذي يرغب دائماً في أن يكون له نصيب الأسد فليكن له هذا النصيب، إنما يجب أن يشعر بمسئوليته في الإذاعة، وأن مهمته ليست مقصورة على ما هو مطلوب منه سداده من ضريبة الراديو، بل عليه موالاة إدارة المحطة والفنانين بإرشاداته، ونقد البرامج نقداً بريئاً، وإظهار ما يعجبه منها وما ترتاح إليه نفسه، كما يجب عليه من أجل نفسه أن لا يسرف في رغباته، وأن يتذكر دائماً أن اللاسلكي في بلادنا مشروع ناشئ لا يزال في مهده، وأن الفنانين في مصر محدودون.
وأن يذكر إذا ما ذكر الفنان اختلاف أذواق الشعب تبعاً لاختلاف طبقاته. فهناك طبقة غير مثقفة، وأخرى متوسطة الثقافة، وثالثة ممتازة. ولكل من هذه الطبقات حق على الفنان الذي يعمل جاهداً لإرضاء الجمهور، وليكون لكل من طبقاته نصيب. والفنان لا يطلب من الجمهور في نظير ذلك إلا أن يثق به وأن يعرف أنه يهبه كل ما يملك.
أما الفنانون المذيعون وإدارة المحطة فهم في نظر الجمهور شيء واحد. وهو ما يجب أن يكون إذ التعاون بين الهيئتين لازم، والتضامن بينهما يجب أن يكون متوافراً إلى أقصى حد، فلا تقتصر الصلة بينهما على صلة التعاقد ـ وهي صلة البائع بالمشتري ـ فليست الفنون سلعاً تباع في الأسواق، والفنان لا يمكن أن يشترى بمال، إنما يجب أن يربط الهيئتين رباط وثيق من المحبّة والإخلاص في العمل، ويجب أن تذكر الهيئتان أنهما متضامنّان أمام الجمهور مسؤولتان معاً عما تقدمانه له.
وواجب الفنانين والحالة هذه ليس مقصوراً على إجادة ما يذيعونه، إنما عليهم كذلك معاونة الإدارة معاونة إيجابية بتزويدها بكل ما يعتقدون أنه بالغ بالفن إلى الغرض الأسمى الذي نسعى لتحقيقه.
كما أن واجب إدارة المحطة أن تعمل من ناحيتها على تقوية هذه الروح، وأن تهيئ من الأسباب ما يجعل الفنانين يطمئنون إليها ويرتاحون لها، وذلك لرعاية مصالحهم وصيانة حقوقهم سواء أكانت هذه قبل الإدارة أم قبل بعضهم بعضاً.
وعليها حماية المحترفين من سيل الهواة. ولو أن إدارة المحطة حققت للفنانين تلك الأُمنية إذن لأمنوا إليها واطمأنوا لتصرفاتها فيهم، وانقلب الحذر منها والحيطة في معاملتهم لها محبة صادقة ورغبة أكيدة في التعاون معها على إنجاح العمل.
ذلك فيما يختص بعلاقة تلك الهيئات الثلاث التي ترتبط بها الإذاعة الموسيقية، أما كيف يجب أن تكون تلك الإذاعة نفسها .. فالواجب أن لا تقدم برامجها جُزافاً، وأن لا تتخبط على غير هدى حتى ولو كان كل منها جيداً في ذاته، بل يجب أن تكون كلها خاضعة لنظام معين وخطة فنية مرسومة ، لتكون البرامج الأسبوعية جزءاً من برنامج عام ، تضعه إدارة المحطة نصب عينيها لتحقيقه.
ويجب أن لا تكون الموسيقى فيه لمجرد اللهو والتسلية بل يجب مراعاتها أيضاً بصفتها أداة ثقافة وتهذيب. والإدارة إن فعلت ذلك ضمنت للموسيقى العربية اطراد رقيها ، وقدمت للفن القومي أعظم خدمة.
