بقلم : د. محمد جمال الدين
يُجمع الفلاسفة والمفكرون على أن التربية ليست مجرد عملية تلقين معارف جامدة، أو نقل آلي لتراكمات الماضي، بل هي صياغة إنسانية جديدة تهدف إلى إيقاظ العقل النائم، وتحرير طاقاته الخلاقة، وكما يرى إيمانويل كانط، فإن التنوير هو خروج الإنسان من قاصوريته التي إقترفها في حق نفسه، والقدرة على استخدام العقل بلا وصاية خارجية، وفي عصرنا الراهن، حيث تتسارع الأمواج المعلوماتية وتتلاطم التيارات التكنولوجية، لم يعد التفكير الناقد ترفاً فكرياً أو خياراً عارضاً، بل أصبح شرطاً أنطولوجياً للبقاء الحضاري، إذ إن الأمة التي تعجز مناهجها عن إنتاج عقل فلسفي نقدي قادر على التمييز والتحليل، هي أمة تختار طوعاً الإنكفاء على الهامش التاريخي، متبنية مقولة الجمود في عالم لا يعرف سوى قانون الحركة والصيرورة.
من هذا المنطلق الفلسفي الواعي، انطلقت الدولة المصرية متمثلة في وزارة التربية والتعليم، نحو مغامرة محمودة الجانب وجريئة الخطى، ألا وهي إحداث ثورة هيكلية شاملة على المناهج البالية، التي طالما كرست ثقافة الحفظ والإستظهار على حساب الإبداع والفهم، إذ أدركت الدولة أن مواجهة ثورة المعلومات تقتضي بالضرورة إعداد مواطن كوني عصري، مدرب على أحدث نظريات التعليم الحديثة، وقادر على تفكيك الخطاب المعرفي المعقد وتوظيفه ميدانياً.
غير أن أشد ما تواجهه مشروعات التحديث الكبرى في التاريخ الإنساني ليس عسر التحول التقني، بل عسر التحول في البنى الذهنية والنفسية للمجتمع، وهنا تكمن العقدة الكبرى التي تهدد مسار التطوير، والمتمثلة في غياب الوعي الجمعي، ذلك الخطر الوجودي الأشد فتكاً بالأمم، والذي يحول بين المواطن وبين إدراك مصلحته العليا، دافعاً إياه نحو استمرارية الركون إلى المألوف ولو كان مهلكاً.
تكشف لنا معركة التطوير الحالية عن حقيقة صادمة ولكنها ضرورية للمكاشفة والمصارحة، فعندما تقف ثلة من المعلمين حجر عثرة في وجه التحديث متعللةً بعجزها عن مجاراة أساليب التدريس الجديدة، فإن هذا لا يدين المناهج الحديثة في شيء، بل يكشف بجلاء تام عقم أساليب التعليم القديمة التي أفرزت على مدار عقود معلمين غير مؤهلين للتعاطي مع روح العصر، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليتجلى في صرخات الأمهات المستسلمات لصعوبة المناهج وعجزهن عن ملاحقتها، رغم كونهن يحملن مؤهلات عليا، وهنا تنكشف أمامنا الأمية التعليمية المستترة لأجيال تلقت تعليماً يقوم على التلقين الأجوف والشهادة الصورية، لا على الفهرسة العقلية والملكة النقدية، إذ إن عجز هذه القطاعات عن فهم المناهج الجديدة هو الدليل القاطع على فشل النظام القديم، والبرهان الأسطع على ضرورة وشرعية التغيير الجذري الذي تقوده الدولة الآن.
إن الرفض المجتمعي للتطوير غالباً ما يتغذى على ما يمكن تسميته بأزمة الإستحقاق الوهمي، حيث يعمد الكثيرون إلى شخصنة قضايا الوطن الكبرى، محولين الصراع بين القديم النافع والجديد الواعد إلى صراع شخصي مع أدوات التحديث، هرباً من مواجهة الحقيقة المتمثلة في قصورهم المعرفي، إذ إنهم يفضلون بقاء منظومة بالية رديئة تضمن لهم راحتهم الذهنية على حساب مستقبل الأجيال القادمة وبناء الدولة الحديثة، حيث إن مقاومة التغيير في هذه الحالة ترتقي إلى مستوى الخيانة المعرفية لمستقبل الوطن، لأنها تكرس ثقافة التخلف تحت غطاء الشكوى والتذمر.
إن معركة التعليم اليوم في مصر ليست مجرد معركة كتب ومقررات دراسية، بل هي معركة وعي ومصير حضاري، والتاريخ لا يرحم الأمم التي تتردد في خياراتها المصيرية إرضاءً لثقافة الكسل الذهني أو الخوف من المجهول، كما إن الوقوف مع الدولة ووزارة التربية والتعليم في هذه المرحلة الفارقة هو واجب وطني وأخلاقي وفلسفي لا محيد عنه، فالتغيير وإن كان صعباً، ومرساة التطوير وإن استوجبت مخاضاً عسيراً، إلا أنهما الطريق الوحيد لإنتشال عقول أبنائنا من براثن الجمود إلى فضاءات الإبداع والتنوير، إننا نبني اليوم إنسان الغد، وإذا أردنا وطناً عملاقاً يتبوأ مكانته المستحقة تحت الشمس، فعلينا أولاً أن ننتصر على جهلنا الكامن في نفوسنا، وأن نحتضن شجاعة التغيير لنصنع مستقبلاً يليق بعراقة هذا الوطن العظيم، إذ إن التعليم الحقيقي ليس هو ملء وعاء، بل هو إيقاد شعلة، وشعلة المستقبل في مصر اليوم لن تنطفئ، بل ستتوهج بوعي واعيها وإرادة أبنائها المخلصين.
