إلى سيدةٍ من سيدات الفن والإعلام المصري، وإلى قامةٍ استثنائيةٍ جمعت بين الإعلام والإذاعة والصحافة والفن والسينما والثقافة، وظلت على امتداد رحلة طويلة نموذجًا للموهبة الراقية، والثقافة الواعية، والانتماء الحقيقي لمصر…
بمبنى الإذاعة والتلفزيون المصري «ماسبيرو»، الذي كان نقطة الانطلاق الأولى لموهبتكم الإعلامية، قبل أن تصبحوا واحدة من أبرز نجمات السينما المصرية.
إن الحديث عن لبنى عبد العزيز لا يمكن اختزاله في كونها فنانة سينمائية كبيرة؛ فقبل الشاشة الفضية كان هناك الميكروفون، وكانت هناك طفلة موهوبة دخلت عالم الإذاعة في سن مبكرة، لتبدأ رحلة استثنائية مع الإعلام المصري.
ففي سن العاشرة، بدأت رحلتكم الإذاعية من خلال ركن الأطفال بالبرنامج الأوروبي، بعد أن رشحكم الإذاعي الكبير عبد الحميد يونس للاختبارات، ونجح أداؤكم في لفت انتباه القائمين على البرنامج، فأطلق عليكم المسؤولون الإنجليز في ذلك الوقت اسم «Little Loulou» – ليتل لولو.
ومن هنا بدأت الحكاية…
حكاية طفلة تحولت مع الزمن إلى إعلامية تمتلك أدواتها كاملة، وتقدم محتوى إذاعيًا راقيًا، وتتحمل مسؤولية الإعداد والتقديم والإخراج.
وبعد رحيل الإدارة الإنجليزية عن البرنامج، وفي مرحلة تمصير الإذاعة، لم تتراجعوا أمام التحدي، بل تحملتم مسؤولية إعداد وتقديم وإخراج البرنامج وأنتم لا تزالون طالبة بالجامعة الأمريكية، لتتحول شخصية «ليتل لولو» إلى «العمة لولو – Auntie Loulou».
ولم يكن «Auntie Loulou» مجرد برنامج أطفال؛ بل أصبح علامة إذاعية مميزة امتدت عبر سنوات طويلة، وتطور محتواه ليخاطب أجيالًا مختلفة، متناولًا موضوعات التنشئة الاجتماعية، والسلوك القويم، والآداب والتقاليد المصرية، والإتيكيت، والصحة العامة، والمناسبات والأعياد الوطنية، مقدمًا صورة حضارية عن المجتمع المصري للجمهور الناطق بالإنجليزية.
والأهم أن هذا البرنامج ارتبط باسمكم ارتباطًا استثنائيًا، حتى أصبح من أبرز النماذج التاريخية في الإذاعة المصرية لبرنامج استمر في الارتباط بمقدمته عبر عقود طويلة.
ولم تتوقف مسيرتكم الإذاعية عند «العمة لولو»، فقد قدمتم أيضًا برامج إذاعية مهمة، من بينها «أضواء المدينة» و**«بورتريه الأسبوع»**، الذي فتح أمامكم مساحة للحوار مع كبار الأدباء والمفكرين والسياسيين والشخصيات العامة، ليكشف جانبًا آخر من ثقافتكم وقدرتكم على إدارة الحوار وصياغة الفكرة.
كما ارتبط اسمكم بمرحلة مهمة من تاريخ الإعلام المصري، حين أُسندت إليكم مهام مرتبطة بإجادتكم للغة الإنجليزية وثقافتكم، ومنها إعداد مواد إذاعية موجهة باللغة الإنجليزية، في إطار الظروف السياسية والإعلامية التي مرت بها مصر في تلك الحقبة.
وهكذا لم يكن الميكروفون بالنسبة إليكم مجرد وسيلة للظهور، وإنما كان مسؤولية ورسالة، وهو ما يفسر قدرتكم على الانتقال من الإعلام إلى الفن دون أن تفقدوا هويتكم الإعلامية والثقافية.
ثم جاءت السينما لتفتح أمام موهبتكم فصلًا جديدًا، فأصبحت واحدة من الوجوه المضيئة في تاريخ السينما المصرية، وظل حضوركم الفني شاهدًا على مرحلة مهمة من مراحل القوة الناعمة المصرية.
ورغم النجاح والشهرة السينمائية، لم تنقطع الصلة بالإذاعة؛ فقد ظل الميكروفون جزءًا أصيلًا من وجدانكم، وعادت مسيرتكم الإذاعية بمحطات جديدة، ومن بينها المسلسل الإذاعي «الوسادة لا تزال خالية» الذي قدمتموه عبر إذاعة صوت العرب عام 1998، في عودة تؤكد أن العلاقة بين لبنى عبد العزيز والإذاعة لم تكن علاقة مرحلة عابرة، وإنما كانت علاقة عمر ورسالة.
ومن أجمل فصول هذه المسيرة أن «العمة لولو» استطاعت أن تستمر رغم تغير الأزمنة والتكنولوجيا، بل وحتى خلال الظروف الاستثنائية لجائحة كورونا، حيث تم تسجيل حلقات البرنامج من المنزل بالتعاون مع فرق العمل الشابة في ماسبيرو، بما يؤكد إصراركم على استمرار الرسالة الإعلامية وعدم التخلي عن جمهور ارتبط بكم عبر أجيال.
إنها مسيرة نادرة تجمع بين:
الطفلة الإذاعية «ليتل لولو»
والإعلامية «العمة لولو»
والمحاورة والمثقفة في «بورتريه الأسبوع»
والإذاعية في «أضواء المدينة»
والكاتبة والمعدة والمقدمة
والفنانة السينمائية القديرة
وأحد رموز القوة الناعمة المصرية.
ولذلك فإن تكريمكم لا يمثل تكريمًا لفنانة عظيمة فحسب، وإنما هو تكريم لتاريخ كامل من تاريخ الإعلام والفن المصري.
وتزداد قيمة هذا التكريم بما حظيتم به من تقدير رسمي من الهيئة الوطنية للإعلام بمنحكم «وسام ماسبيرو للإبداع»، تقديرًا لعطائكم وإسهاماتكم الممتدة في الفن والثقافة والإعلام، وهو تكريم يحمل دلالة خاصة؛ لأن ماسبيرو الذي كان أحد أبواب انطلاقتكم الأولى، عاد ليحتفي بواحدة من الشخصيات التي ساهمت في صناعة جزء من تاريخه وذاكرته.
إن مبادرة «عظماء ماسبيرو» وهي تستعيد أسماء وروادًا صنعوا تاريخ الإعلام المصري، ترى في مسيرتكم نموذجًا لا ينبغي أن تغطي عليه السنوات، بل يجب أن تتناقله الأجيال الجديدة باعتباره جزءًا من الذاكرة الوطنية والفنية والإعلامية لمصر.
أستاذتنا وفنانتنا القديرة لبنى عبد العزيز،
شكرًا لكل لحظة أخلصتم فيها للميكروفون.
شكرًا لكل كلمة وصلت إلى المستمعين بصوتكم وثقافتكم.
شكرًا لكل طفل عرف «العمة لولو».
شكرًا لكل حوار قدمتم من خلاله صورة راقية عن الإنسان المصري.
شكرًا لكل عمل فني وإعلامي ترك أثرًا في وجدان الجمهور.
وشكرًا لأنكم أثبتم أن الموهبة الحقيقية لا ترتبط بعمر، وأن الفن والإعلام عندما يتحولان إلى رسالة يظلان قادرين على العطاء عبر الأجيال.
إننا في مبادرة «عظماء ماسبيرو» لا نقدم لسيادتكم مجرد شهادة تقدير، وإنما نقدم شهادة وفاء لذاكرة وطن، وتاريخ مؤسسة، ومسيرة إنسانة وفنانة وإعلامية استثنائية.
عن مبادرة «عظماء ماسبيرو»
الإعلامي والمخرج/ خالد سالم
مؤسس مبادرة «عظماء ماسبيرو»
