بقلم الإعلامي خالد سالم
هناك مشهد يتكرر أمام أعيننا في شوارع وأحياء مصر، وأصبح من كثرة تكراره وكأنه أمر عادي: أشجار معمرة تُقطع، وأخرى تُقلم تقليماً جائراً حتى تفقد شكلها وقيمتها، ومساحات خضراء تتحول إلى أسفلت وخرسانة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا؟
لماذا تتعامل بعض الأحياء والمحليات مع الأشجار وكأنها عائق أمام التطوير، بدلاً من اعتبارها جزءاً أصيلاً من البنية الأساسية للمدينة؟
أتحدث هنا تحديداً عن مشاهد مؤلمة رأيتها في منطقة وزارة الزراعة بالجيزة، حيث الأشجار التي احتاجت إلى عشرين عاماً أو أكثر حتى تنمو وتصبح بهذا الحجم والجمال، يمكن أن تختفي في ساعات بقرار قطع أو تقليم جائر.
شجرة عمرها عشرون عاماً… لماذا تُهدم في دقائق؟
الشجرة ليست مجرد جذع وأفرع وأوراق.
الشجرة التي نراها اليوم شجرة كبيرة ومثمرة، احتاجت سنوات طويلة من المياه والرعاية والتربة والوقت حتى وصلت إلى هذا الحجم. وإذا قُطعت، فلن يعوضها زرع شتلة صغيرة مكانها بالسرعة التي يتصورها البعض.
قد نزرع شتلة جديدة، لكننا سنحتاج سنوات طويلة حتى تصبح شجرة تمنح ظلاً حقيقياً، وتساهم في تحسين المشهد الحضري، وتوفر بيئة أفضل للمواطنين.
والأخطر أن السؤال لا يكون فقط: هل سيتم زرع شجرة بديلة؟
بل يجب أن يكون:
أين هي خطة التعويض؟ وما نوع الشجرة؟ ومن سيتابع نموها؟ ومن يضمن عدم اقتلاعها بعد سنوات؟
لأن زرع شتلة بعد إزالة شجرة معمرة ليس بالضرورة تعويضاً حقيقياً.
هل التطوير يعني إزالة الأشجار؟
التطوير الحقيقي لا يعني أن نحول كل مساحة خضراء إلى محلات ومولات ومواقف وأسفلت.
التطوير الحضري المحترم هو الذي يحاول التوفيق بين احتياجات الناس والحفاظ على البيئة.
أما أن تصبح الشجرة هي أول ضحية عندما نريد إنشاء مشروع أو توسعة طريق أو إقامة نشاط تجاري، فهذا يفتح الباب أمام سؤال أكبر:
هل نخطط للمدينة حول الإنسان والبيئة، أم نعيد تشكيل المدينة بما يخدم الخرسانة فقط؟
والأمر لا يتعلق بشجرة أو عشر أشجار.
إنها ثقافة كاملة في التعامل مع المساحات الخضراء.
وقد شهدنا في أماكن مختلفة من مصر جدلاً واسعاً حول إزالة الأشجار والمساحات الخضراء، ومن بينها ما أثير بشأن الحزام الأخضر بمدينة العبور. وهذه الوقائع يجب أن تدفعنا إلى مراجعة فلسفة التعامل مع الأشجار داخل المدن، لا إلى الاكتفاء بتبرير كل واقعة على حدة.
التقليم ليس ذبحاً
هناك فرق كبير بين التقليم الفني الذي يتم بهدف حماية الشجرة وتحسين نموها، وبين ما يمكن وصفه بالتقليم الجائر الذي يحول شجرة ضخمة إلى جذع عارٍ تقريباً.
التقليم الصحيح يجب أن يتم وفق قواعد فنية وبواسطة متخصصين، وليس لمجرد التخلص من حجم الشجرة أو فروعها.
فإذا كان هناك فرع يمثل خطراً على المارة أو المباني أو شبكات الكهرباء، فالحل هو معالجة المشكلة فنياً، وليس بالضرورة القضاء على الشجرة بأكملها.
والأسفلت… هل أصبح بديلاً عن الشجر؟
نحن نعيش في بلد ترتفع فيه درجات الحرارة بشدة خلال الصيف.
وعندما نزيل الأشجار ونوسع المساحات الأسمنتية والأسفلتية، فإننا لا نفقد الشكل الجمالي فقط؛ بل نفقد أيضاً الظل والمساحات الطبيعية التي تساعد على تحسين البيئة الحضرية.
شارع بلا أشجار يصبح أكثر قسوة على الإنسان.
شارع مليء بالخرسانة والأسفلت والشمس يصبح بيئة أكثر سخونة وجفافاً وأقل راحة للمشاة.
فلماذا لا يكون لدينا مفهوم واضح يقول:
لا إزالة لشجرة معمرة إلا لضرورة حقيقية، وبعد دراسة فنية وبيئية واضحة، مع تعويض حقيقي ومعلن؟
والشجرة أيضاً لها قيمة اقتصادية
هناك جانب آخر يجب ألا نغفله.
الخشب الناتج عن الأشجار التي يتم قطعها له قيمة اقتصادية.
ويُتداول أحياناً رقم يقارب 5 آلاف جنيه للطن في بعض أنواع أو حالات الأخشاب، لكن القيمة الفعلية تختلف كثيراً حسب نوع الخشب وجودته وحجمه وحالته والسوق.
وهنا تظهر أهمية وجود منظومة شفافة:
من يقطع الأشجار؟
أين تذهب الأخشاب؟
من يستلمها؟
كيف يتم تقييمها؟
وأين تذهب حصيلة بيعها إن كانت صالحة للبيع؟
هذه ليست اتهامات لأحد، وإنما أسئلة مشروعة في إدارة المال العام والموارد العامة، وتحتاج إلى إجابات واضحة وشفافة.
لأننا إذا كنا نتحدث عن آلاف الأشجار التي يتم التعامل معها سنوياً، فإننا لا نتحدث فقط عن قضية بيئية، وإنما أيضاً عن مورد له قيمة اقتصادية.
من يحاسب على الشجرة التي اختفت؟
نحن في حاجة إلى منظومة واضحة للمحاسبة.
قبل إزالة أي شجرة معمرة داخل نطاق حضري، يجب أن تكون هناك دراسة تحدد:
عمر الشجرة وحالتها الصحية.
سبب طلب الإزالة.
البدائل الممكنة للقطع.
الجهة التي وافقت على الإزالة.
خطة التعويض والتشجير.
الجهة المسؤولة عن متابعة الأشجار البديلة.
مصير الأخشاب الناتجة عن القطع.
والأهم أن تكون هذه المعلومات قابلة للمراجعة من المواطنين، لأن الأشجار الموجودة في الشوارع والميادين ليست ملكاً لموظف أو مسؤول.
إنها جزء من ثروة المجتمع.
لا نريد مدناً بلا روح
نحن لا نرفض التطوير، ولا نرفض إقامة المشروعات، ولا نرفض تنظيم الشوارع.
لكننا نرفض أن يكون التطوير مرادفاً دائماً لإزالة كل ما هو أخضر.
نريد طرقاً أفضل، ولكن نريد معها أشجاراً.
نريد محلات ومراكز تجارية، ولكن لا نريد أن يكون ثمنها القضاء على المساحات الخضراء.
نريد مدناً حديثة، ولكن المدن الحديثة في العالم لا تقاس فقط بعدد الأبراج والمولات والأسفلت؛ بل تقاس أيضاً بجودة الحياة والمساحات الخضراء والظل والهواء والقدرة على حماية البيئة.
مذبحة الأشجار… لماذا؟
السؤال ليس موجهاً ضد شخص بعينه، ولا ضد موظف بعينه.
السؤال موجه إلى منظومة التخطيط والإدارة:
لماذا نقطع شجرة احتاجت عشرين عاماً حتى تصبح شجرة، ثم نضع مكانها شتلة ونقول إننا عوضناها؟
ولماذا نعتبر الشجرة عائقاً أمام التطوير بدلاً من أن نجعلها جزءاً من التصميم؟
ولماذا تتحول بعض شوارعنا تدريجياً من اللون الأخضر إلى لون الأسمنت والأسفلت؟
ماذا سنترك للأجيال القادمة؟
مدينة مليئة بالخرسانة…
أم مدينة حديثة، ولكن فيها أشجار وظلال وحدائق ومساحات يتنفس فيها الإنسان؟
إنقاذ شجرة معمرة ليس رفاهية.
إنه احترام للزمن، وللبيئة، وللمواطن، ولحق الأجيال القادمة.
ولذلك أقولها بوضوح:
أوقفوا مذبحة الأشجار… وطوّروا المدن دون أن تقتلوا روحها.
بقلم
الإعلامي خالد سالم
