بقلم طارق صلاح الدين.
هى هانم ماسبيرو.
قولا وفعلاً.
رأيتها على الشاشة وفى الواقع دون تعارف حقيقى.
واستمر هذا الوضع عشر سنوات بالتمام والكمال منذ أن تخطيت عتبة ماسبيرو عام ١٩٨٥ وحتى التقيتها وتعرفت عليها عن قرب عام ١٩٩٥.
كنا جميعاً مترقبين قدومها لرئاسة القناة الأولى بمنتهى الحذر والتوجس.
وذلك لسببين رئيسيين.
الأول:
أنها قادمة بعد قامة إعلامية وشخصية عظيمة بكل أبعاد الكلمة وهو الإعلامى الإنسان الراحل الاستاذ أحمد سمير رحمه الله تعالى والذى رحل بشكل مفاجىء تسبب فى صدمة مروعة للجميع.
وكان قد ملء القناة الأولى عدلا وإنسانية ولم يختلف عليه أحد.
والثاني:
أنها قادمة من قناة أخرى وهى القناة الشابة الواعدة التى رسخت أقدامها سريعاً وهى القناة الثالثة.
وظل الحذر مخيم على الجميع.
حتى وصلت إلى مكتب الأستاذ أحمد سمير.
وكانت الرؤية الأولى لنا جميعاً بشأنها…….
ترتدى أزياء سوداء وبلمسات مكياج خفيفة جداً والحزن يكسو ملامحها.
وتم التعارف سريعاً.
وكان قرارها الأول هو تغيير المكتب فأعطت مكتبها للسكرتارية وأخذت مكتبهم لأنها لم تستطع الجلوس في نفس مكتب زميلها الراحل.
وبدأنا معها الرحلة.
وكان شهر رمضان يطرق الأبواب.
وفى عجالة طلبت أسماء جميع العاملين بالقناة واعتمدت ماوضعه الراحل أحمد سمير وقامت بتطعيم خريطة البرامج بعدة برامج ضمنت عمل الجميع.
وبعد رمضان قامت بوضع خريطة جديدة تماماً بلمسات إعلامية قديرة ضمنت العمل للجميع من ناحية ونهضت بشاشة القناة الأولى بشكل رائع من الناحية الأخرى.
وتدريجيا ظهرت ملامح إدارتها للقناة الأولى.
إدارة جديدة تماماً وفريدة من نوعها إلى أبعد الحدود ولم تتكرر بعدها أبدا.
كانت تكسوها الجدية الصارمة والوعى البرامجى الشديد.
ودون مواربة قضت تماماً على الشللية حيث لامكان لشخص داخل مكتبها إلا لإنجاز عمل أو لمناقشة برنامج أو لتنفيذ تكليف منها.
أما جلسات السمر والحكايات والضحكات وغيرها فلم تعرف يوماً طريق إلى مكتبها.
أما السؤال عن كيفية قضاء هذا الوقت الطويل في مكتبها وحيدة فكانت إجابته متابعة الشاشة بمنتهى التركيز دون أن تمر منها كلمة أو هفوة وبمجرد حدوث ما لا تراه جيداً فإنها ترفع سماعة التليفون فوراً إلى مخرج التنفيذ لتدارك أى خطأ أو إضافة لمسات أجمل على الشاشة.
وبين الأمرين سواء مناقشات مخرجين وبرامج أو التنسيق والأوامر للتنفيذ فإنها على موعد لثلاث مرات متتالية مع توقيع بوستة القناة الأولى الضخمة التى تحملها رئيسة السكرتارية مدام فاطمة إسلام رحمها الله تعالى.
وابتدعت الإعلامية عائشة البحراوى أسلوبا برامجيا جديداً حيث كانت تحصل على الموافقة البرامجية للبرنامج ثم الموافقة المالية ثم تسلمه إلى المخرج للتنفيذ فوراً وتوفر خطوات صعبة على كل مخرج لتجعله يتفرغ للإبداع فقط.
عرف الجميع في عهدها العمل بعدة برامج دفعة واحدة فكنت ترى المعد والمذيعة والمخرج ولهم برنامجين أو ثلاثة فى بعض الأحيان.
لم تعرف مطلقاً تمييز مخرج على آخر أو مذيعة على أخرى.
كانت تقضى الساعات الطويلة داخل مكتبها أو فى لجان البرامج بآراء واعية ولاتغادر إلى منزلها إلى بعد التأكد من كل شيء وأحياناً فى ساعات متأخرة.
بعد تكريمها من مبادرة عظماء ماسبيرو التقطت رقم تليفونها من الإعلامى صديق دفعتى الإعلامية الذهبية المخرج خالد سالم واتصلت بها.
وفى المرة الأولى كانت نائمة فعاودت الإتصال بابنها الذى أعتذر مرة أخرى لوجوده خارج المنزل ولم يصل اليأس لى فاتصلت مرة ثالثة.
وهذه المرة سمعت صوتها الجميل بلمساته الرائعة التى تطرب الفؤاد.
وكانت أولى كلماتى لها.
“أكيد دعواتى بتوصل لحضرتك”.
والمفاجأة أننى وجدتها تذكرنى وتذكر كل شيء بدقة وراحت تسترجع معى ملابسات توليها رئاسة القناة الأولى و إلحاح الوزير صفوت الشريف عليها تولى القناة بعد العظيم أحمد سمير وأنها حاولت الإعتذار لأن رمضان على الأبواب فأخبرها بأنه يعلم تماماً أنها انتهت من وضع خريطة البرامج للقناة الثالثة فردت عليه بوعيها الإعلامى اليقظ أن الشاشة ليست كاميرا وأفكار بل تنفيذ.
واجابها صفوت الشريف بأنها تستطيع متابعة تنفيذ خريطة القناة الثالثة وهى تتولى رئاسة القناة الأولى وأنه يعلم تماماً أنها قادرة على ذلك بكفاءة وهو ماحدث.
وراحت تحدثنى عن زمالتها الطويلة للراحل أحمد سمير وكم كان الأمر صعب عليها جداً أن تتولى بعده.
وبتواضع الاعلامية الشديدة حاولت إنكار كل ماقلته عن عظمتها وعدلها وروعتها مع الجميع وكفاءتها النادرة وغلفت هذا الإنكار بأن النجاح يعود إلى الجميع وأنها ترس صغير في عجلة النجاح وهو تواضع العظماء.
استمرت المكالمة طويلاً وأنا أتمنى أن لاتنتهى وأظل أنهل من عذب حديثها الإعلامى الجميل الذى ظلله إطراء على عملى معها وبرامجى التى انجزتها على أكمل وجه وللعجب وجدتها تتذكر كل التفاصيل.
وسألت نفسى؟
ما الذي يجعلنى اتلهف على التواصل معها وأبحث عن رقمها واعيد المحاولة ثلاث مرات؟
ولماذا هى فقط دون قيادات قبلها أو بعدها؟
ووجدت الإجابة تتخلص فى ثلاث كلمات.
العدل.
عدم الشللية.
الكفاءة.
ثلاث كلمات حفرت بها إسمها فى قلبى وقلوب جميع العاملين بالقناة الأولى.
ووجدت ذات الانطباعات عند الذين عملوا معها بالقناة الثالثة.
وفى الختام لا اجد إلا كلمة واحدة………..
هانم.
هى عندى هانم ماسبيرو.
شكراً الإعلامية عائشة البحراوى.
