بقلم : د. محمد جمال الدين
في زمن باتت فيه الخوارزميات تتسلل إلى شغاف الوعي البشري قبل أن تكتمل جذور الهوية، وتتنافس فيه شاشات الذكاء الاصطناعي على إعادة هندسة خيال النشء، تقف الطفولة العربية على مفترق طرق مصيري بين إستسلام رقمي جارف ويقظة معرفية واعية، ولقد أدرك “مؤتمر أدب الطفل العربي الثالث” هذا المخاض العسير، ليُتوج أعماله بحزمة من التوصيات الإستراتيجية التي لا تمثل مجرد قرارات تقليدية، بل تشكل إعلان إستنفار سيادي وأخلاقي، لحماية الوجدان الإنساني من خطر الذوبان في سديم العولمة الرقمية المتسارعة.
اختتمت منذ أيام فاعليات مؤتمر الطفل العربي الثالث، دورة الكاتب الكبير عبد التواب يوسف، والذي أقامه نادي القصة برئاسة السيناريست والكاتب الكبير محمد السيد عيد، وأمانة المؤتمر للكاتب والشاعر الكبير عبده الزراع، و رئاسة المؤتمر للشاعر الكبير أحمد سويلم، وبالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة، واتضح من ثنايا فاعليات وجلسات المؤتمر التي حققت نجاح مبهر على كافة الاصعدة في دورة موفقة بكل المقاييس، أن المؤتمر انطلق من إدراك عميق بأن الحرية بلا ضوابط أخلاقية تتحول إلى فوضى هدامة، فجاءت المحاور التشريعية لتضع حجر الأساس لسيادة فكرية تحمي الطفل من التبعية الرقمية، ولم تكتف الرؤية بالمراقبة السلبية، بل امتدت لتؤسس لـ “ميثاق شرف مهني وأخلاقي” ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في التأليف والرسم والنشر، محولة التقنية من سيد متهور إلى أداة منقادة لمنظومة القيم، معززة ذلك ببرامج حماية مسبقة تضمن بيئة رقمية آمنة دون مصادرة لبهجة الإكتشاف.
على صعيد التنسيق المؤسسي، شخص المؤتمر أزمة التشتت المعرفي، فدعا إلى تأسيس منصة رقمية متخصصة في صحافة الطفل العربي، وإحداث لجنة وطنية مشتركة تضم كافة مؤسسات المجتمع الفاعلة، من الأزهر الشريف والكنيسة إلى الهيئات التربوية والإعلامية، ولم تتوقف الجهود عند التنظير، بل تجسدت عملياً في الدعوة لإبرام بروتوكول تعاون استراتيجي بين اتحاد كتاب مصر ووزارة التربية والتعليم، لإعادة الإعتبار للكتاب الورقي والتفاعلي في مواجهة زحف الشاشات.
وفي قلب المعركة المعرفية، طرح المؤتمر مفهوماً فلسفياً مبتكراً يتمثل في استراتيجية “المحاذاة الرقمية”، وهي أداة إدراكية دقيقة توازن بين رصانة العلم وحماية الخيال البشري والأصالة الوجدانية، كما سعت التوصيات إلى الإرتقاء بجودة كتاب الطفل، متجاوزة الإعتماد المفرط على البرمجيات البصرية البحتة لصالح محمّلات دلالية وقيمية تعيد للكلمة المكتوبة هيبتها، مع الإلتفات الواعي إلى تمكين الفئات الأكثر احتياجًا لتحقيق عدالة رقمية حقيقية.
ولأن الأمم التي تنسى جذورها تبتلعها رمال العصر المتحركة، شدد المؤتمر على صياغة استراتيجية وطنية شاملة لحماية الهوية، وبرزت الآليات العملية في الدعوة إلى تخصيص “أسبوع الحكاية” في المدارس المصرية استرشادًا بالتجارب العربية الرائدة، وإحياء التراث الشعبي ومهرجانات الحكي، ليبقى الوعي الجمعي للطفل مستندًا إلى إرث حضاري أصيل يحميه من رياح الإغتراب الثقافي.
وإدراكًا بأن مواجهة التحديات المستحدثة تستند إلى ركيزة علمية صلبة، دعت التوصيات إلى تكثيف الدعم للأبحاث الأكاديمية التي تعنى بتقاطعات الذكاء الاصطناعي مع أدب الطفل، لضمان بقاء الإنتاج الفكري العربي في حالة إشتباك نقدي مستمر مع مستجدات الثورة الرقمية.
إن التوصيات التي تمخضت عن مؤتمر أدب الطفل العربي الثالث ليست مجرد أوراق تدون في أدراج الإدارات، بل هي “بيان تأسيس” لعصر جديد من الحصانة الفكرية والتربوية، إذ إنها تذكرنا بأن التطور التقني، مهما بلغت سطوته، يظل عاجزًا عن صناعة الإنسان ما لم يُستضء بنور الهوية والأخلاق والوجدان. والرهان الحقيقي اليوم يكمن في تحويل هذه الاستراتيجيات النظرية إلى واقع حي ينبض في المناهج والكتب والوسائط، ليبقى الطفل العربي صانعاً لمستقبله، لا مجرد مستهلك تائه في مجاهل الخوارزميات الافتراضية.
