بقلم الإعلامي خالد سالم
شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في إنشاء كليات الإعلام، وأقسام الإعلام بكليات الآداب، وكليات التربية النوعية، والمعاهد الخاصة، حتى أصبح لدينا آلاف الخريجين كل عام يحملون حلم العمل في المجال الإعلامي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل سوق العمل يحتاج إلى كل هذا العدد من الإعلاميين؟
الإجابة، بكل وضوح، هي: لا.
فعدد القنوات التلفزيونية محدود، والإذاعات لا تتوسع بنفس معدل تخريج الطلاب، والصحف الورقية تراجعت، والمجلات أغلقت أبوابها، وحتى المواقع الإلكترونية أصبحت تعتمد على فرق عمل صغيرة، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين أعداد الخريجين وفرص العمل المتاحة، وارتفاع معدلات البطالة بين شباب الإعلام.
ولا تكمن المشكلة في كثرة الخريجين فقط، بل في أن معظم البرامج الدراسية ما زالت تُعِدُّ الطالب لوظائف إعلامية تقليدية، بينما تغيرت صناعة الإعلام بالكامل.
ماذا نفعل؟
أولًا: يجب إعادة النظر في أعداد المقبولين بكليات ومعاهد الإعلام بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل الفعلية.
ثانيًا: تحديث المناهج لتواكب الإعلام الرقمي، وصناعة المحتوى، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المنصات الرقمية، والتسويق الإلكتروني، وتحليل البيانات الإعلامية.
ثالثًا: تحويل الطالب من باحث عن وظيفة إلى صانع فرصة، يمتلك مشروعًا إعلاميًا خاصًا، سواء قناة على الإنترنت، أو منصة إخبارية، أو شركة إنتاج، أو وكالة لصناعة المحتوى.
رابعًا: إقامة شراكات حقيقية بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية لتوفير تدريب عملي جاد، وليس تدريبًا شكليًا.
خامسًا: دعم ريادة الأعمال الإعلامية، وتوفير حاضنات للمشروعات الناشئة، حتى يصبح الخريج قادرًا على خلق فرص عمل له ولغيره.
الإعلام لم يعد وظيفة… بل صناعة
لم يعد الإعلامي الناجح هو من ينتظر التعيين في قناة أو صحيفة، وإنما من يستطيع إنتاج محتوى مؤثر، وبناء جمهور، وإدارة مشروع إعلامي يواكب العصر.
إن المستقبل لن يكون للأكثر عددًا، بل للأكثر مهارة، والأكثر قدرة على التعلم والتطوير المستمر.
وأخيرًا…
إن مسؤولية حل هذه الأزمة لا تقع على عاتق الخريج وحده، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة، والجامعات، والمؤسسات الإعلامية، ونقابات المهنة، حتى نعيد التوازن بين التعليم وسوق العمل، ونحافظ على قيمة الإعلام ورسالة الإعلامي.
فالإعلام رسالة سامية، لكنه أيضًا مهنة تحتاج إلى تخطيط ورؤية، حتى لا يتحول حلم آلاف الشباب إلى طابور طويل من الانتظار.
