يشهد العصر الراهن منعطفاً أنطولوجياً ومعرفياً غير مسبوق، إذ لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة محايدة تختبئ خلف حياديتها التقنية، بل أضحت كائناً فاعلاً ومهيمناً يعيد تكوين الوجدان البشري، ويصوغ البنى التحتية للوعي الجمعي، كما إن إشكالية العصر الكبرى تكمن في أن الفضاء الرقمي المعاصر قد تحول إلى مختبر واسع لتشكيل الطفولة، وفق معايير مركزية عابرة للحدود، مما يضع الهوية الوطنية والخصوصية الثقافية للطفل المصري في مواجهة محتدمة مع آليات العولمة الناعمة والتنميط الرقمي.
وفي هذا السياق، يبرز البحث العلمي الرصيد والمؤصل الذي قدمه الباحث المصري الدكتور محمد جمال الدين أمين، اليوم ضمن فعاليات مؤتمر أدب الطفل العربي (الدورة الثالثة)، تحت عنوان “الذكاء التربوي الموازي كآلية لتفكيك التحيزات الثقافية في محتوى الذكاء الاصطناعي المقدم للطفل المصري”، ليُمثل صرخة فلسفية واعية وعملاً منهجياً استشرافياً يسعى إلى إستعادة السيادة الإدراكية للطفل في عصر الإستعمار الرقمي الجديد.
انطلق الباحث في مقاربته لهذه الإشكالية المعقدة من إزدواجية منهجية دقيقة تتسق مع طبيعة الموضوع، حيث اعتمد على المنهج الفلسفي النقدي التفكيكي لتعرية خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وكشف ما تحمله من تحيزات مضمرة، متسلحاً في الوقت ذاته بالمنهج الوصفي التحليلي لصياغة متطلبات وأبعاد “الذكاء التربوي الموازي”.
وقد تجلت قوة هذا المنهج في اختياره الموفق لعينة قصدية ممثلة لثلاثة نماذج رئيسية يتفاعل معها الطفل المصري بكافة، وهي القصص الرقمية المولدة فوريًا: (مثل منصات النصوص الفائقة وتطبيقات الحكايات مثل Storywizard.ai و Oscar)، وروبوتات الدردشة والمساعدات الذكية: (مثل غرف Character.ai ودمى Miko التفاعلية)، والفيديوهات والرسوم المتحركة التوليدية: (مثل قنوات التوليد الآلي على يوتيوب وتطبيقات التمرير السريع والتزييف العميق).
من خلال تفكيك هذه النماذج، أزاح الباحث الستار عن أوهام حيادية الآلة، ليثبت بالأدلة التحليلية الساطعة أن الذكاء الاصطناعي التوليدي محمل بأيديولوجيات ومتحيزات استعمارية ناعمة، تتحدد أبرز ملامحها فيما يلي، الإستشراق الرقمي والإغتراب السياقي، من خلال توليد صور للبيئة المصرية أو الريف والحارة في قوالب بدائية سحرية ماضوية (أجواء ألف ليلة وليلة)، مما يفصل الطفل عن واقعه المعاصر المطور، والتغريب اللغوي والدلالي، وذلك بالاعتماد على الترجمات الآلية الحرفية التي تفرغ اللغة العربية من بلاغتها وجمالياتها، وتحل محلها تراكيب غربية هجينة، مع تفكيك البنية الأسرية، وذلك بترسيخ نموذج الأسرة النواتية المعزولة وإقصاء شبكة العلاقات الممتدة (الأجداد والأعمام) التي تشكل شبكة الأمان التربوي في الوجدان المصري، علاوة على تمييع المرجعيات العقائدية وتنميط الاستهلاك، من خلال طرح الأسئلة الوجودية والدينية عبر روبوتات الدردشة بمنظور مادي علماني يعتبر العقيدة مجرد فولكلور خياري عابر، بالتوازي مع ترويج الرفاهية المادية الغربية والنزعة الإستهلاكية المفرطة على حساب الرموز الوطنية والأبطال الشعبيين.
لم يقف البحث عند حدود النقد السلبي أو الدعوة للتقوقع والرفض التقني، بل أسس لمفهوم فلسفي وإجرائي أصيل ألا وهو “الذكاء التربوي الموازي”، وهو كما عرفه الباحث منظومة برمجية وهندسية سيادية مستقلة، تُغذى بقواعد بيانات وطنية وتاريخية ولغوية خالصة (مثل السيرة الهلالية والتراث العربي المضيء)، لتعمل كحائط صد منيع ضد التغريب الرقمي، ويرتكز هذا الذكاء الموازي على أبعاد ثلاثة متكاملة، البعد المعرفي الفلسفي، من خلال إعادة الإعتبار للخصوصية الحضارية والروحية المصرية والعربية، والبعد التقني الإجرائي، بتطوير نماذج لغوية وبصرية محلية تولد مضامين تنطق بلسان الواقع المعاصر للطفل، والبعد التربوي، من خلال تحويل التكنولوجيا من أداة هيمنة إلى شريك تفاعلي يبني ولا يهدم.
كما توج الباحث دراسته بتحديد كفايات أساسية للمربين وصناع المحتوى (نقدية تفكيكية، رقمية تقنية، وتربوية سياقية)، وقدم توصيات عملية دقيقة تستنهض المؤسسات الوطنية (وزارة التربية والتعليم، وزارة الثقافة، ووزارة الاتصالات) لتبني مشروع وطني متكامل للحوكمة الأخلاقية والثقافية للمحتوى الذكي.
إن هذه الورقة البحثية المتميزة للدكتور محمد جمال الدين أمين لا تمثل مجرد إضافة أكاديمية عابرة لتراث مؤتمرات أدب الطفل، بل تشكل وثيقة تأسيسية نوعية لوعي عربي جديد يدرك أن معركة المستقبل ليست معركة حدود جغرافية، بل هي معركة “سيادة سياقية وبرمجية” على العقول الناشئة، ولقد أثبت البحث ببراعة فلسفية وبلاغية رفيعة أن حماية طفلنا المصري لا تكون بالإنعزال عن منجزات العصر، بل بامتلاك ناصيتها، فالذكاء التربوي الموازي هو الدرع الذي يضمن أن تظل الآلة التوليدية تتحدث بلساننا، وترى بعيون هويتنا، وتحفظ على أطفالنا صفاء وجدانهم القومي، ليبقى الطفل منفتحاً على آفاق المستقبل، ومستنداً إلى أرضية حضارية راسخة لا تهزها عواصف الخوارزميات العابرة للقارات.
