بقلم مشيرة جيوي
يُعدّ عيد الدوانوو، المعروف أيضاً بعيد قوارب التنين، واحدًا من أهم أربعة أعياد تقليدية في الصين، ويُحتفل به في اليوم الخامس من الشهر الخامس وفق التقويم القمري الصيني. وفي سبتمبر عام 2009، أُدرج هذا العيد ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية التابعة لليونسكو، ليصبح أول عيد صيني يُدرج في هذه القائمة،
ويصبح بذلك جزءاً من الثروة الثقافية المشتركة للبشرية.
يرتبط هذا العيد بالشاعر والسياسي الصيني العظيم تشو يوان، الذي عاش قبل أكثر من ألفي عام. وقد عُرف بإخلاصه لوطنه وتمسكه بمبادئه، لكنه تعرض للمؤامرات وأُبعد إلى مناطق نائية. وعندما شهد انهيار بلاده، ألقى بنفسه في النهر في اليوم الخامس من الشهر الخامس، مضحيًا بحياته تعبيرًا عن وفائه وإخلاصه لوطنه.
وتخليدًا لذكراه، بدأ الناس يلقون في النهر كراتٍ من الأرز اللزج الملفوف بأوراق الخيزران، أملاً في حماية جسده من الأسماك والكائنات المائية. ومع مرور الزمن، تطورت هذه العادة إلى ما يُعرف اليوم باسم “الزونغتسي”، وهو أرز محشو ومغلف بالأوراق النباتية ويُطهى على البخار. كما أخذ الناس يجدّفون بالقوارب بحثًا عنه، ومن هنا نشأ تقليد سباقات قوارب التنين.
ويُحضَّر الزونغتسي اليوم من خلال لفّ الأرز والحشوات المختلفة داخل أوراق نباتية طازجة ثم طهيه على البخار. وتشبه هذه الطريقة إلى حدّ ما طبق “الدَّوالي” التقليدي المعروف في الشرق الأوسط، حيث يُلف الأرز واللحم بأوراق العنب. ورغم البعد الجغرافي بين الحضارتين، فإن هذا التشابه في الفكرة وطريقة التحضير يعكس تقاربًا إنسانيًا وثقافيًا بين الشعوب.
أما سباقات قوارب التنين، فقد أصبحت اليوم نشاطًا رياضيًا وثقافيًا عالميًا، وانتشرت بعد عقود من الترويج إلى أكثر من ثمانين دولة ومنطقة حول العالم.
ويكمن سرّ هذه الرياضة في روح التعاون والتنسيق بين أفراد الفريق، إذ يعتمد النجاح على انسجام المتسابقين والعمل بقوة مشتركة. ويعكس ذلك المقولة الصينية: “نحن في القارب نفسه”، وهي روح تتوافق مع القيم الرياضية الحديثة التي تشجع على العمل الجماعي والتكاتف.
وخلال العيد، يتبادل الناس الأمنيات بالصحة والسلامة، وهي تحية تتجاوز مجرد قول “عيد سعيد”، إذ تعبّر عن التمنّي بدوام العافية والأمان. وفي اللغة العربية نجد تعبيرات قريبة مثل “صحة وعافية”، وهي أيضًا تعكس رغبة إنسانية مشتركة في حياة مستقرة وسعيدة.
ولم يعد عيد الدوانوو اليوم مجرد إرث تاريخي أو مناسبة تقليدية ثابتة، بل أصبح تجربة ثقافية حيّة تتفاعل معها شعوب من مختلف أنحاء العالم. وهذا التفاعل الثقافي المتبادل هو ما يمنحه الحيوية والاستمرارية، ويُفسّر بقاء تأثيره الثقافي لأكثر من ألفي عام، ليغدو جزءًا من التراث الإنساني الحي.
