بقلم – السيد محفوظ
لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، ولم تكن 90 دقيقة عابرة في تاريخ الرياضة؛ بل كانت لحظة كاشفة تعرى فيها كل شيء. لقد سرقوا الماتش وسرقوا معها فرحتنا، تركوا في قلوبنا غصة لا تضمدها الأهداف، وحرقة لا يطفئها صراخ المعلقين. أطفالنا، الذين لا يفقهون في تفاصيل “التسلل” أو “الفاول”، ولا يعرفون لغة الكرة المعقدة، كانوا يبكون بصدق البراءة، يتساءلون بذهول: “لماذا هذا الظلم؟ لماذا يقتلون الفرحة فينا؟”.
حين يلتقي منتخب مصر بمنتخب الأرجنتين، ينتظر العالم عرضاً كروياً يليق بمهارة اللاعبين وشغف الجماهير، لكن ما حدث تجاوز حدود المستطيل الأخضر. لقد تحولت المباراة إلى مشهد يعكس ما نعيشه في عالمنا، حيث تُغتال الحقائق وتُداس القيم تحت أقدام القوة الغاشمة، وحيث يُسلب الحق في التعبير عن الفرح أو الحزن، تماماً كما يُسلب الحق في الحياة والحرية.
تلك الدموع التي ذرفها الصغار أمام الشاشات، هي ذات الدموع التي يذرفها أطفال فلسطين كل يوم. إن ما نراه في الملاعب من انحياز وفساد للذمم وتغييب للعدالة، هو نسخة مصغرة من عالم يمارس “الظلم المنظم” ضد شعب فلسطين. فعلى مدى عقود، يُحرم الفلسطيني من أبسط حقوقه، ويُقتل حلمه وهو في مهده، وتُكمم الأفواه التي تحاول أن تصرخ بالحق، ويُحاصر أصحاب الأرض في زنزانة كبيرة تحت سمع وبصر العالم.
إن الرياضة التي أرادوها جسراً للسلام والتقارب، يحاولون الآن تحويلها إلى أداة لقمع الإرادة وقتل روح المقاومة. لكنهم واهمون؛ فالرياضة الشريفة لا تقوم إلا على مبادئ العدل والمساواة، واللعب بشرف هو جوهر الروح الرياضية التي لا تعرف الانحياز للمصالح أو التملق للقوى.
الحرية ليست مجرد كلمة نرددها في الهتافات، الحرية هي أن نلعب بشرف، أن نحكم بعدل، وأن نسمح للشعوب بأن تعبر عن أوجاعها وأحلامها دون خوف من عقاب أو تكميم للأفواه. وفلسطين، التي هي قضية كل حر وشريف، ستظل البوصلة التي تخبرنا أن “السرقة” مهما طالت، فإن صاحب الحق لا ينهزم أبداً.
نحن الكسبانون، لا بلقب أو كأس، بل بتمسكنا بالحق وبإيماننا بأن العدل سيشرق يوماً ما، سواء على عشب الملاعب أو في ميادين التحرير. سيظل صوتنا عالياً، يرفض الظلم في كل مكان، من أرض الملاعب إلى ربوع فلسطين الحبيبة، حتى يسترد كل صاحب حق حقه، وتتحرر الأجساد والأرواح من قيود السارقين.
