بقلم : د. محمد جمال الدين
لا يمكن قراءة المشهد الثقافي الراهن بمعزل عن حركية المؤسسات التي تمنحه الشرعية والعمق الفكري، وأكاديمية الفنون ليست مجرد صرح تعليمي، بل هي “عقل الدولة الفني” وحارس ذاكرتها الجمالية، وفي لحظة تاريخية فارقة، تجلى فيها إدراك القيادة الأكاديمية لضرورة الإنتقال من “السكونية المعرفية” إلى “الديناميكية الدبلوماسية”، برز قرار الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن رئيس أكاديمية الفنون، بتكليف الأستاذة الدكتورة إيمان مهران بالإشراف العام على وحدة المؤتمرات والندوات، كفعل استراتيجي يتجاوز حدود التعيين الإداري، إلى آفاق “التدشين الحضاري”، إذ إن هذا القرار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء كإستجابة لضرورة وجودية تقتضي صهر الخبرة الأكاديمية العميقة، في بوتقة الإدارة الثقافية الواعية، لإعادة تموضع الأكاديمية كمركز ثقل إقليمي ودولي.
يُسجل للأستاذة الدكتورة نبيلة حسن قدرتها الفائقة على قراءة الميدان الأكاديمي، وإقتناص الكفاءات القادرة على إحداث الفارق، فقرار تولي الأستاذة الدكتورة إيمان مهران وحدة المؤتمرات والندوات بأكاديمية الفنون، يعتبر “قراراً بنيوياً”، وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فإيمانها بأن وحدة المؤتمرات هي “الواجهة الفلسفية” للأكاديمية دفعها لإختيار شخصية أكاديمية بوزن الأستاذة الدكتورة إيمان مهران، إذ خلق هذا التناغم بين الرؤية القيادية العليا، وبين الأدوات التنفيذية المتمثلة في وحدة المؤتمرات، حالة من “السيولة الثقافية”، التي سمحت للفكر المصري أن يتدفق مجدداً في عروق الدبلوماسية الناعمة، مؤكداً أن المؤسسات الكبرى تُدار بالعقول التي تمتلك شجاعة التجديد.
وتعد الأستاذة الدكتورة إيمان مهران نموذجاً فريداً لـ “الأكاديمي العابر للحدود”، فهي لا تتحرك من منطلق المنصب، بل من منطلق “المشروع”، إذ تمتلك الدكتورة إيمان كاريزما قيادية تمزج بين الصرامة المنهجية للباحث الدولي، وبين مرونة الفنان الذي يدرك تعقيدات المشهد الثقافي العالمي، إذ إن خبراتها الواسعة سواء في تنظيم أوالمشاركة في المؤتمرات الدولية، منحتها قدرة فائقة على “هندسة الوعي” الجمعي داخل وحدة المؤتمرات والندوات بالأكاديمية، وتحويل الوحدة من مجرد مسمي إداري إلى مختبر فكري، ينتج المعرفة ويسوقها دولياً، وهي كذلك “السادنة” التي تدرك أن المؤتمر ليس مجرد أوراق بحثية، بل هو محفل دبلوماسي، يُبنى فيه جسر التواصل بين الأنا والآخر.
وتحت إشراف الدكتورة إيمان مهران، شهدت وحدة المؤتمرات والندوات قفزة نوعية في الأداء والأثر، فلقد استطاعت في فترة وجيزة، منذ تقوليها الأمر، أن تعيد تفعيل دور الوحدة لتصبح “المحرك النفاث” للنشاط الثقافي بالأكاديمية، فلم تعد الندوات مجرد طقوس بروتوكولية، بل تحولت إلى منصات إشتباك فكري مع قضايا العصر، إذ أصبح الإنجاز الحقيقي يتمثل في “أنسنة الإدارة”، حيث نجحت الدكتورة إيمان في صياغة لغة حوارية تجمع بين الوزير المفوض، والبرلماني، والكاتب، والأكاديمي، في مشهد متكامل يعكس ثراء الشخصية المصرية، من خلال ندوة “الثقافة والدبلوماسية الناعمة”، والتي تعد بمثابة برهان النجاح لدور الوحدة في شكلها الجديد، فقد جاءت ندوة «الثقافة والدبلوماسية الناعمة .. التجربة المصرية نموذجاً»، التي احتضنتها قاعة “ثروت عكاشة” أمس الأول، لتكون الدليل الدامغ على صواب رؤية الدكتورة نبيلة حسن وعبقرية تنفيذ الدكتورة إيمان مهران، فلقد حققت هذه الندوة نجاحاً ساحقاً تجلى في ثراء المحتوى الفلسفي، حيث نوقشت القوة الناعمة كضرورة وجودية لا كترف فكري، والبحث في كيفية تحويل “الباحث الفنان” إلى سفير فوق العادة، مع التنوع الإستراتيجي للمتحدثين، والذي عكس شبكة علاقات دولية ووطنية واسعة، جمعت بين جامعة الدول العربية، ومجلس الشيوخ، والصحافة القومية، والمجلس الأعلى للثقافة، علاوة على الصدى والفاعلية، فلم تكن مجرد كلمات تُلقى، بل كانت “مانيفستو” ثقافياً أعاد صياغة مفهوم الدبلوماسية الروحية تجاه العمق الإفريقي والعربي.
إن ما دار في أروقة هذه الندوة من تحليل لسينما التغيير، وفلسفة الصناعات الثقافية، ودور الرقمية في حماية الهوية، يؤكد أن وحدة المؤتمرات بدأت بالفعل في “تفعيل” القوة الكامنة للأكاديمية، محولة التراث من “نص جامد” إلى “دبلوماسية حية”، كما إن النجاح الساحق الذي حققته الدكتورة إيمان مهران منذ توليها مسؤولية وحدة المؤتمرات، يضعنا أمام حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن العمل الأكاديمي حين يمتزج بالرؤية القيادية الواعية والخبرة الدولية، فإنه يخلق معجزات ثقافية، وأن أكاديمية الفنون اليوم، بفضل هذا التناغم القيادي، لا تستحضر وهج الماضي فحسب، بل ترسم بمداد من نور ملامح القوة الناعمة المصرية في القرن الحادي والعشرين، لتظل مصر دائماً هي “المنارة” التي لا تغيب عنها شمس الإبداع.
