بقلم : د. محمد جمال الدين
تعلمت من فلسفة النقد إن الكلمة أمانة، ومسؤولية المثقف والمفكر لا تقتصـر على رصد الظواهر، بل تمتد لتكون حائط صد ضد تزييف الوعي وإغتيال الرموز، وإن العقل النقدي كما قرر الفلاسفة، ليس أداة للهدم أو التشكيك المجرد، بل هو ميزان للحق والباطل، لكننا اليوم نعيش زمنًا “معكوسًا”، يغدو فيه العطاء ذنبًا، والتميز تهمة، والسكينة النفسية “حيادًا مريبًا”.
إن ما أثير حول الأديب والمبدع والباحث الكبير، الأستاذ عبده الزراع، يفرض علينا وقفة تأملية فلسفية تكشف الغطاء عن تلك الإدعاءات التي لا تستهدف الشخص فحسب، بل تستهدف القيمة التي يمثلها في المشهد الثقافي العربي والمصري.
وحين يتحدث أحد المدعيين والذي اعتاد مهاجمة الشخصيات عامة، عن “تزامن مريب” لصدور أربعة كتب في عام واحد للأستاذ عبده الزراع، فإنه بذلك يسقط في فخ التضليل المعلوماتي قبل السقوط في فخ سوء النية، فالحقيقة الراسخة والموثقة بالأرقام والتواريخ تفند هذا الزعم، إذ إن ديوان (غنواية في لعباية) صدر بجزأيه عن هيئة الكتاب عام 2014، وديوان (حلم لحروف هجاء) صدر عن المركز القومي لثقافة الطفل عام 2019، وعليه فإن محاولة حشد هذه العناوين في عام واحد هو (2020)، ليس سوى محاولة لصناعة “فضيحة وهمية” لا وجود لها إلا في خيال مروجيها. وهنا نتساءل فلسفيًا، لماذا يتم اللجؤء إلى الكذب في معركة فكرية؟ إن جاز التعبير، والإجابة الواضحة تكمن في ضعف الحجة، فمن لا يملك منطقاً يدحض به “المشروع الإبداعي” يلجأ إلى تشويه “الواقع اللوجستي” للنشر.
أما فيما يخص واقعة “لجنة الفحص”، فإن الموقف الأخلاقي الذي اتخذه الأستاذ عبده الزراع بتقديم إستقالته من لجنة القيد في حينه، وتم نشرها في جريدة (اليوم السابع)، هو ذروة الشجاعة الأدبية، وفيه ما يؤكد اعترافه بعدم دقة المعلومات التي قُدمت له من زملائه، وترفعه عن الإستمرار في مسار لا يرتضيه ضميره، وهو الدرس الذي غاب عن منتقده، ففي الإسلام، يقول المصطفى ﷺ: “كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”، والرجوع إلى الحق فضيلة لا يدرك كنهها إلا الكبار، بفرض وجود أخطاء من الأساس، إذ أن اعتذار الزراع عن اللجنة، يؤكد رفضه الإنسياق في عمل قد يشوبه العوار.
ولا يمكن إختزال تاريخ حافل بالإبداع والبحث في إدعاءات مرسلة، إذ إن الأستاذ عبده الزراع لم يكن مجرد “موظف” بوزارة الثقافة، بل هو باحث وناقد وشاعر وأديب كرس حياته لأدب الطفل والبحث في التراث الشعبي، وهو الإداري الناجح، فمن خلال دوره في قطاعات وزارة الثقافة، وكذلك نادي القصة واتحاد كتاب مصر، استطاع إدارة وتنظيم مؤتمرات دولية للطفل شهد لها القاصي والداني بالإحترافية والعمق، محولاً البيروقراطية إلى طاقة إبداع خلاقة، وهو كذلك غزير الإنتاج، لذا فإن كثرة مؤلفاته ليست مأخذاً عليه، بل هي برهان على الغزارة الذهنية، والتدفق الإبداعي الذي يمتلكه في عالم الأدب، وهو ما يوجب أن يُحتفى به لا محاولة تشويه صورته، كما أن الجهات الرسمية لا تنشـر إلا لمن يضيف إلى رصيدها الثقافي، فكيف يُلام المبدع على إجتهاده؟!.
لقد عُرف الزراع بهدوئه المهذب وسكينته النفسية، وهو ما يفسره البعض خطأً بأنه حياد، بينما هو في الحقيقة “ترفع” عن الصراعات الهامشية، التي تستنزف طاقة المبدع، فهو رجل يبني الجسور ولا يهدمها، يحبه الصغير قبل الكبير، ويدعم الباحثين الشباب بإخلاص نادر، لذا تطل الأسئلة الوجودية برأسها هنا، لماذا تُبعث هذه الإدعاءات من مرقدها الآن؟، وما الفائدة من مهاجمة شخصية حازت على ثقة الجمعية العمومية لاتحاد كتاب مصر، بل وفاز بمنصب نائب رئيس الاتحاد؟، فالنجاح الساحق في إنتخابات اتحاد الكتاب، هو بمثابة “الإستفتاء الحقيقي” على نزاهة ومكانة عبده الزراع، والهجوم عليه في هذا التوقيت ليس نقداً أدبياً، بل هو محاولة بائسة لتعطيل مسيرة الإصلاح داخل أروقة الاتحاد، وإستهداف لرمزية النجاح التي يمثلها.
إن اعتداء البعض على الشخصيات العامة بالهجوم المتكرر أصبح ظاهرة سيكولوجية تهدف إلى “لفت الإنتباه” عبر تسلق أكتاف العمالقة، إنها في حقيقة الأمر محاولة لجر الرصين إلى وحل المهاترات، ولصرف الأنظار عن المنجز الحقيقي لصالح الجدل العقيم، لذا إننا أمام مفارقة عجيبة، فبدلاً من تقديم الشكر لمبدع أثرى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات، وبدلاً من الإحتفاء بمسؤول نجح في مهامه الإدارية بتفوق، نجد من ينصب له المشانق، بناءً على مغالطات زمنية ومواقف مقتطعة من سياقها.
إن حالنا الثقافي الذي وصل إلى حد “تخوين الناجح”، هو جرس إنذار بضرورة العودة إلى القيم القرآنية الأصيلة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، وستظل سيرة عبده الزراع ناصعة، وتاريخه الإبداعي محفوراً في وجدان أجيال من الأطفال والمثقفين، وستظل “الكلاب تنبح والقافلة تسير”، لأن الحق أبلج، والباطل لجلج، ومن كان زاده الحق وشيمته السلم، فلن تضيره سهام الطائشين.
