بقلم : محمد جمال الدين
لم تكن المكتبات الجامعية يومًا مجرد مخازن للكتب أو أرفف صامتة تتكدس فوقها المعارف، بل هي القلب النابض للعملية التعليمية والعقل الذي يغذي البحث العلمي ويمنح الطالب القدرة على الاكتشاف والتأمل، فالمعرفة لا تُبنى فقط داخل قاعات الدرس، وإنما تكتمل في فضاءات القراءة الحرة والبحث المنهجي التي توفرها المكتبات الجامعية، حيث يتعلم الطالب كيف يحاور النصوص ويستخرج من بطون الكتب ما يعزز قدرته على التفكير النقدي والإبداعي.
وفي المؤسسات الأكاديمية ذات الطبيعة الخاصة، تزداد أهمية المكتبة أضعافًا مضاعفة، إذ تصبح جزءًا أصيلًا من التكوين العلمي والمهني للطالب، ومن أبرز هذه المؤسسات المعهد العالي للفنون المسرحية بأكاديمية الفنون، الذي يعتمد في تكوين طلابه على مزيج من المعرفة النظرية والخبرة التطبيقية في مجالات المسرح والنقد والدراماتورجيا وفنون العرض، ومن ثم فإن مكتبة المعهد ليست مجرد مرفق خدمي، بل هي مساحة معرفية متخصصة تحتضن التراث المسرحي العالمي والعربي وتمنح الطلبة فرصة الاحتكاك المباشر بالمراجع الأساسية في تخصصهم.
وتؤدي المكتبات الجامعية دورًا محوريًا في دعم العملية التعليمية من خلال توفير المصادر العلمية المتنوعة التي يحتاج إليها الطالب في مسيرته الدراسية والبحثية، فالكتاب المرجعي والدورية العلمية والمخطوطات المتخصصة تشكل جميعها أدوات معرفية تفتح أمام الطالب آفاقًا جديدة للفهم والتحليل، كما تسهم المكتبة في ترسيخ ثقافة البحث العلمي لدى الطلاب، إذ يتعلمون من خلالها مهارات الاستقصاء والرجوع إلى المصادر الأصلية وتحليل النصوص والمقارنة بين الآراء المختلفة، وبذلك تتحول المكتبة إلى مختبر فكري يمارس فيه الطالب التدريب العملي على التفكير العلمي والمنهجي.
وتزداد هذه الأهمية في المجالات الفنية والأدبية، حيث يعتمد الطالب على الاطلاع المستمر على النصوص المسرحية والدراسات النقدية والتاريخية التي تشكل خلفيته الثقافية والجمالية، فالمسرح بطبيعته فن مركب، يتقاطع فيه الأدب مع الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، الأمر الذي يجعل المكتبة عنصرًا لا غنى عنه في تكوين الطالب المسرحي.
وتتميز مكتبات المعاهد الفنية، وعلى رأسها مكتبة المعهد العالي للفنون المسرحية، بطابع خاص يختلف عن المكتبات التقليدية في الجامعات، فهي لا تضم فقط الكتب الأكاديمية، بل تحتوي كذلك على نصوص مسرحية نادرة، ودراسات نقدية متخصصة، ومواد أرشيفية تتعلق بتاريخ المسرح، فضلًا عن ترجمات لأهم الأعمال العالمية في الدراما والإخراج والتمثيل، ومن هنا تأتي الحاجة الملحة إلى وجود متخصصين قادرين على التعامل مع هذا النوع من المجموعات المعرفية المتخصصة، فإدارة مكتبة فنية تتطلب معرفة دقيقة بطبيعة التخصص المسرحي واحتياجات طلابه، إضافة إلى القدرة على إرشادهم إلى المراجع المناسبة التي تخدم أبحاثهم ومشروعاتهم الفنية.
إن وجود متخصص في مجال الفنون داخل المكتبة لا يقتصر دوره على تنظيم الكتب، بل يمتد إلى الإسهام في توجيه الطلاب وإرشادهم علميًا، ومساعدتهم في الوصول إلى المصادر التي تدعم دراساتهم، بما يسهم في خلق بيئة تعليمية محفزة على الإبداع والبحث، ولقد كانت مكتبة المعهد العالي للفنون المسرحية على مدار سنوات طويلة أحد أهم المراكز المعرفية التي يلجأ إليها طلاب المعهد في رحلتهم العلمية والفنية، فهي تضم عددًا كبيرًا من المراجع الأساسية في تاريخ المسرح ونظرياته، إلى جانب نصوص مسرحية عربية وعالمية تشكل أساس الدراسة الأكاديمية في هذا التخصص، وقد شهدت المكتبة خلال فترات ازدهارها حضورًا طلابيًا كثيفًا، حيث كانت تمثل مساحة للتفاعل الفكري وتبادل الخبرات بين الطلبة، فضلًا عن كونها نقطة انطلاق للعديد من الأبحاث والدراسات التي أسهمت في إثراء الحركة المسرحية والنقدية في مصر والعالم العربي، إلا أن المكتبة شأنها شأن أي مؤسسة معرفية، تحتاج دائمًا إلى إدارة واعية ومتخصصة تدرك طبيعة دورها في خدمة العملية التعليمية، وتعمل على تفعيل هذا الدور بما يحقق الاستفادة القصوى للطلبة.
إن وجود متخصص في إدارة المكتبة يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاحها وأدائها لدورها التعليمي، فالمكتبة ليست مجرد نظام إداري لتنظيم الكتب، بل هي فضاء معرفي يحتاج إلى من يفهم طبيعة محتواه ويستطيع توجيه المستفيدين منه، وفي هذا السياق، يبرز الدور الذي قام به الأستاذ محمد شافعي الذي ارتبط اسمه بمكتبة المعهد العالي للفنون المسرحية حيث قدم إسهامات واضحة في خدمة الطلبة وتطوير محتوى المكتبة، فقد أسهم في ترميم ما يزيد على خمسة آلاف كتاب من أمهات الكتب والمراجع المهمة، وهو جهد كبير حافظ على جزء مهم من التراث المعرفي للمكتبة،
إلى جانب ذلك، عُرف عنه حرصه الدائم على مساعدة الطلاب في الوصول إلى المراجع التي يحتاجونها في دراساتهم وأبحاثهم، مستفيدًا من كونه خريجًا للمعهد العالي للفنون المسرحية، وما يمتلكه من خبرة علمية وعملية في مجال الفنون المسرحية، وقد جعلته هذه الخلفية العلمية قادرًا على فهم احتياجات الطلاب بدقة وتقديم العون لهم بما يسهم في تطوير مستواهم الأكاديمي، كما تميز بسعة صدره وقدرته على احتواء الطلبة وتوفير مناخ إنساني وثقافي يشجعهم على القراءة والبحث، وهو أمر بالغ الأهمية في المؤسسات التعليمية التي تقوم على التفاعل الفكري بين الطلاب وأعضاء المجتمع الأكاديمي.
انطلاقًا من تقديرهم لهذا الدور، ناشد طلاب وطالبات المعهد العالي للفنون المسرحية الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن رئيس أكاديمية الفنون إعادة الأستاذ محمد شافعي إلى العمل داخل مكتبة المعهد، حتى تتمكن المكتبة من استعادة دورها الحيوي في خدمة العملية التعليمية،
وقد عبر الطلاب عن هذه المناشدة عبر صفحاتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك عبر صفحة “على سُلَّم المعهد” التي تعد من أهم المنصات الطلابية المرتبطة بالمعهد منذ سنوات طويلة، حيث أكدوا فيها أهمية وجود متخصص في المكتبة قادر على تفعيل دورها المعرفي ودعمهم في مسيرتهم العلمية، وجاءت هذه المطالبات في أعقاب قرار سابق بنقله تعسفي، لا سبب له إلا أسباب واهية ووشايات من أعداء النجاح، وهو القرار الذي أدى إلى تراجع دور المكتبة وتحولها إلى مساحة أقل جذبًا للطلبة، بل أصبحت طاردة لهم، فالمكتبة أما مغلقة أو بها من لا علاقة لهم بالتخصص العلمي الدقيق، خاصة مع إسناد إدارتها أيضا إلى غير المتخصصين، الأمر الذي انعكس على مستوى الخدمة المقدمة داخلها.
إن المكتبة الجامعية ليست مجرد مرفق إداري داخل المؤسسة التعليمية، بل هي ركيزة أساسية في بناء الوعي العلمي والثقافي لدى الطلاب، وفي المؤسسات الفنية، تتضاعف هذه الأهمية، لأن المعرفة النظرية تشكل الأساس الذي يقوم عليه الإبداع الفني، ومن هنا فإن تطوير مكتبة المعهد العالي للفنون المسرحية وتفعيل دورها في خدمة الطلبة يعد خطوة ضرورية لدعم العملية التعليمية داخل المعهد، وهو هدف يتطلب وجود كوادر متخصصة تمتلك الخبرة العلمية والعملية في مجال الفنون، ويحدو طلاب المعهد الأمل في أن تجد مناشدتهم صدى لدى الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن، التي عُرفت عبر تاريخها الأكاديمي والإداري بقدرتها على النهوض بالمؤسسات التي تولت مسؤوليتها، وبسعيها الدائم إلى ترسيخ قيم العدالة وتطوير بيئة العمل داخل أكاديمية الفنون، فلقد بدأت منذ اليوم الأول لتوليها منصبها ما يمكن وصفه بثورة تصحيحية تهدف إلى إعادة الانضباط المؤسسي وتفعيل الدور الحقيقي للمؤسسات التعليمية التابعة للأكاديمية. ومن ثم فإن إعادة الاعتبار لدور المكتبة وإتاحة الفرصة للاستفادة من الخبرات التي خدمت هذا الصرح العلمي لسنوات طويلة، تمثل خطوة منسجمة مع هذه الرؤية الإصلاحية، فالمكتبة حين تعود إلى أداء دورها الحقيقي، وتفتح أبوابها للطلبة في بيئة علمية محفزة، فإنها لا تخدم الطلاب وحدهم، بل تسهم في بناء مستقبل الحركة المسرحية والفكرية في مصر، ولذلك يبقى الأمل قائمًا في أن تستعيد مكتبة المعهد العالي للفنون المسرحية مكانتها كمنارة معرفية تضيء طريق طلاب الفن والفكر والإبداع.
