بقلم مشيرة جيوي
عندما يقترب الشتاء من نهايته، يبدأ المجتمع الصيني في الدخول إلى أهم فترة في السنة عيد الربيع الصيني.
بالنسبة للكثير من الأصدقاء العرب الذين يتعرّفون على الثقافة الصينية للمرة الأولى، يرتبط عيد الربيع غالبًا بالزينة الحمراء، والألعاب النارية، ورقصات التنين والأسود.
لكن، ما الذي يجعل هذا العيد يحتل مكانة خاصة في وجدان الصينيين؟ وما المعاني العميقة التي يحملها وراء هذه المظاهر الاحتفالية؟
لفهم عيد الربيع، من الضروري أن نعرف شيئًا أساسيًا: في الثقافة الصينية، الزمن ليس مجرد تغيّر في أرقام التقويم، بل هو دورة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالطبيعة والأسرة والنظام الاجتماعي.
عيد الربيع، الذي يُسمى أيضًا “رأس السنة الصينية وفقًا للتقويم القمري”، ليس له تاريخ ثابت في يوم معين، بل يتم تحديده بناءً على حركة القمر وتغيرات المواسم، وهذا يرتبط بالمجتمع الزراعي الصيني القديم.
في المجتمع الصيني التقليدي، كانت نهاية السنة تعني توقف الأعمال مؤقتًا، بينما كان قدوم السنة الجديدة يرمز إلى بداية جديدة، وزرع جديد، وأمل جديد. ولهذا أصبح عيد الربيع نقطة محورية تلخص أحداث العام الماضي وتستشرف ما يحمله المستقبل.
حتى اليوم، لا يزال هذا المفهوم قائمًا. في الصين، لا يُنظر إلى عيد الربيع كعطلة فقط، بل يُعتبر لحظة “العودة إلى الوضع الطبيعي” في العام، حيث يعود الناس إلى أسرهم، وتُعاد العلاقات إلى مسارها، وتبدأ الحياة من جديد.
واحدة من الأسباب التي جعلت عيد الربيع يستمر لآلاف السنين هي الطقوس المستقرة التي ترافقه. من تعليق الشعارات، وتناول العشاء مع العائلة، والبقاء مستيقظين طوال الليل، وتبادل التهاني، هذه العادات تبدو بسيطة ولكن لها وظائف اجتماعية واضحة.
هذه الطقوس ليست للعرض، بل هي لتذكير الجميع بأن العام القديم قد انتهى، وبدأ فصل جديد. على سبيل المثال، يركز العشاء العائلي على مشاركة جميع أفراد الأسرة، بينما تركز التهاني على الاحترام بين الأكبر والأصغر أما البقاء مستيقظين طوال الليل، فيُعد رمزًا يعبر عن عبور الناس معًا إلى مرحلة جديدة من الزمن. جوهر هذه الطقوس هو انتظار الاستقرار الأسري، والتناغم الاجتماعي، والتطلع إلى حياة أفضل. هذا التطلع له طبيعة عالمية مشتركة بين الثقافات.
يتوافق هذا العام مع سنة الحصان في التقويم الصيني. وفي الثقافة الصينية يرمز الحصان عادةً إلى الحركة، والسرعة، والسفر، وروح الكفاح. العديد من التعبيرات الشائعة، مثل “حصان يصل إلى النجاح”، تحمل تمنيات بالتقدم السلس. وفي الثقافة العربية، يتمتع الحصان أيضًا بمكانة عالية. فهو يرمز إلى الولاء، والكرامة، والحرية، وهو جزء مهم من الشعر، والذاكرة التاريخية، وثقافة القبائل. هذه التشابهات الثقافية ليست صدفة.
من طريق الحرير القديم إلى تاريخ التبادل بين الصين والدول العربية في العصر الحديث، كانت التجارة والهجرة ووسائل النقل دائمًا أسسًا حيوية للتفاعل بين الحضارات. الحصان، في هذا السياق، هو رمز ل”الحضارة المتنقلة”.
يتساءل العديد من الأصدقاء الأجانب: لماذا يتحدث الصينيون دائمًا عن “حفلة عيد الربيع”؟ ليست الحفلة مجرد عرض ثقافي عادي، بل هي في الواقع طقس جماعي يرافق الأسر الصينية في ليلة رأس السنة الصينية. منذ الثمانينات، أصبحت هذه الحفلة متاحة عبر البث التلفزيوني المباشر، حيث تُمكّن العائلات الصينية الموزعة في أنحاء العالم من الاتصال في نفس اللحظة. حتى لو لم تتم مشاهدة الحفل بعناية، غالبًا ما يُترك التلفاز قيد التشغيل. بالنسبة للكثير من الصينيين، المعنى ليس في مدى جمال العرض نفسه، بل في الشعور بالرفقة المستقرة، مما يذكرهم بأن السنة قد انتهت بالفعل، وأن سنة جديدة قد بدأت.
في السنوات الأخيرة، بدأ عيد الربيع يُعرف ويُحتفل به في العديد من الدول العربية. في السعودية، قامت وسائل الإعلام المحلية بعرض برامج ثقافية تشرح المعنى الاجتماعي لعيد الربيع وحفلة عيد الربيع. في مصر، دخلت العروض الثقافية المتعلقة بعيد الربيع وحفلة عيد الربيع إلى الأماكن العامة، مما أتاح للناس فرصة الاقتراب من الفنون التقليدية الصينية. في الإمارات، جذبت رقصات التنين، والموسيقى، والمسيرات الاحتفالية العديد من السكان المحليين للانضمام، وأصبح عيد الربيع يتحول من “ثقافة للمشاهدة” إلى “عيد يمكن المشاركة فيه”.
تظهر هذه التغييرات أن عيد الربيع ليس شيئًا مقتصرًا على الثقافة الصينية فقط. طالما أن الناس على استعداد لفهم المنطق وراءه، يمكنهم أن يدركوا سبب أهميته. التبادل الثقافي الحقيقي لا يكون عرضًا من اتجاه واحد، بل هو مبني على التفاهم المتبادل.
اليوم، مع انتشار احتفالات عيد الربيع الصيني في مختلف أنحاء العالم، لا يُعتبر مجرد تقليد ثقافي من بلد واحد، بل هو نمط حياة يعكس قيم الأسرة، والزمن، والأمل. في عالم يتزايد فيه الترابط بين الشعوب، تسعى الحضارات المختلفة إلى إيجاد لغة حقيقية للتواصل بينها. وعيد الربيع، في هذا السياق، يصبح جسرًا ثقافيًا يربط بين الصين والعالم، وبين الحضارة الصينية والعربية.
