بقلم/ محمد سعد
في زمنٍ اعتدنا فيه أن نرى العالم من خلف عدسات مُصقولة، وأن نتلقى صوره منقّاة كما يريد لها الإعلام العالمي أن تبدو، ظهر الرحّالة المصري حجاجوفيتش ليعيد تشكيل وعينا من جديد. لم يخرج إلى الدنيا ليبحث عن البريق، بل ليقترب من الحقيقة، ويعيد إلينا رؤية كنا نظنها مكتملة بينما كانت ناقصة لأبعد حد.
سنوات طويلة عشنا مبهورين بدول تبدو في أعيننا مثالية، تُصدِّر للعالم اللمعان وحده، بينما تُخفي خلفه ما هو أكثر تعقيداً وظلاماً. وفي الوقت الذي كان فيه إعلامنا يركّز على السلبيات فقط، جاء حجاجوفيتش ليقدّم معادلة مختلفة: لا مثالية في أي مكان… ولا مدينة بلا عيوب مهما بدت متقدمة.
كشف لنا عن اليابان التي نراها نموذجاً للنجاح، فإذا بها تعاني أزمة زواج خانقة، وشباباً يلجأون إلى ما يُسمى “الغرف الجنسية” لممارسة العادة السرية بديلاً عن العلاقة الطبيعية. وعرّفنا على انتشار الإدمان والخمور هناك، في تناقض صارخ مع الصورة الوردية المنتشرة في أذهاننا.
كما أزاح الستار عن شوارع أوروبية شهيرة تُمارَس فيها البغاء والمثلية بشكل علني، وفتح لنا نافذة على الجانب المظلم لمدينة لندن، التي لطالما اعتبرناها نموذجاً للنظافة والرقي، فإذا ببعض أحيائها غارقة في القمامة وتفشّي السرقة.
المفارقة التي قد تبدو أغرب من كل ما سبق، أن الهجوم الذي يواجهه حجاجوفيتش لا يأتي من الأجانب الذين كشف عيوب بلدانهم، بل من بعض أبناء وطنه! وكأننا نقبل النقد حين يوجّه إلينا، ونرفضه حين يوجّه للعالم!
كم من بلوجر أجنبي أساء إلى مصر، ووجد من يدافع عنه ويطالب بـ“تقبّل النقد”. لكن حين جاء مصري أصيل، ليستعرض الحقيقة كما هي، رُميت عليه السهام!
حجاجوفيتش لم يفعل سوى أن منحنا فرصة لنرى العالم بواقعه… بضيائه وظلاله، بجماله وعيوبه. وربما هذا تحديداً ما نحتاجه لندرك أن الحقيقة لا تُقالّم ولا تُلمَّع… بل تُرى كما هي

