بقلم / محمد سعد
منذ سنواتٍ وأنا أرفع الصوت، مناديًا بضرورة بعث الحياة في تراث ماسبيرو العظيم، ذاك الصرح الذي شكّل وجدان المصريين والعرب، وصنع ذاكرة الفن والإبداع في أبهى صوره. كم دعوت – عبر صفحات مجلتي الحبيبة الكواكب – إلى إطلاق قنوات جديدة تُعيد إلى الشاشة بريق الزمن الجميل، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة لقاء الروّاد الذين شيّدوا مجد الدراما والموسيقى في مصر.
حلمتُ بـ قناة “دراما ماسبيرو زمان” لتعرض كنوز الدراما المصرية التي ما زالت تسكن القلوب، وبـ قناة “أغاني ماسبيرو زمان” تُطل من خلالها أصوات العمالقة: أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، ونجاة، وفايزة أحمد، وغيرهم من كبار الفنّانين الذين شكّلوا هوية الوجدان العربي. إنّ مكتبة التليفزيون المصري تزخر بهذه الجواهر، وهي ثروة قومية لا تُقدّر بثمن، ولا تحتاج سوى أن تمتد إليها يدٌ تعرف قيمتها.

وكما تم إنشاء المتحف المصري الكبير للحفاظ على آثار الحضارة المصرية القديمة العظيمة، فلابد أن نحافظ نحن أيضًا على تراثنا الإبداعي والفني في العصر الحديث، فلا نتركه حبيس المخازن في أروقة ماسبيرو، بل نُخرجه إلى النور عبر قنوات متخصصة تُعيد عرضه لكل الجمهور المتعطش له، حتى يظل هذا التراث محفورًا في الوجدان كما تُحفر النقوش على جدران المعابد
إنّ إنشاء مركز عالمي لترميم هذا التراث وحفظه ليس رفاهية، بل واجب وطني تجاه ذاكرة مصر الفنية والثقافية. فهذه الأعمال ليست مجرد تسجيلات، بل صفحات مضيئة من تاريخنا الإبداعي، ومسؤوليتنا أن نصونها من غبار الزمن.
ويُحسب للكاتب الصحفي الكبير أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، إطلاق إذاعة دراما إف إم التي تبث كنوز الإذاعة المصرية من المسلسلات والسهرات الدرامية، خطوة أعادت للأذن بريق الحكاية المصرية القديمة، وأيقظت فينا الحنين الجميل.
يبقى الأمل أن تمتد هذه الرؤية إلى الدراما التليفزيونية، فتُعاد إلى الشاشات تلك الروائع التي علّمتنا معنى الفن الراقي، وتُفتح أبواب ماسبيرو من جديد لتستعيد مكانتها كمنارةٍ للإبداع وذاكرةٍ للأمة لا تعرف الغروب
