في عصر العولمة، كل شيء يميل إلى التوحد، اللبس واحد، الأغاني واحدة، وحتى اللهجات صارت تقترب من بعضها بحثاً عن أكبر عدد مشاهدات، وسط هذا التيار الجارف، ظهر الطاهر عمر ليقول كلمة واحدة: “لا”.
لا، لن أغير لهجتي، لا، لن أخجل من كلماتي، لا، لن أبيع هويتي مقابل انتشار أسرع، وكانت النتيجة؟ انتشر أكثر، قصة الطاهر عمر هي درس عملي لكل من يظن أن النجاح يحتاج إلى تنازل، بدأ بفيديوهات بسيطة جداً، لا إنتاج ضخم ولا فريق عمل، فقط إنسان يتكلم بلهجته عن يومه، لكنه قدم هذه اللهجة باحترام، لم يسخر منها ولم يقلل منها، قدمها كلغة أهل، كلغة بيت، كلغة وطن.
هنا الفرق الجوهري، كثيرون استخدموا اللهجة السودانية من قبل، لكن كـ “نكتة”، أما الطاهر عمر فقدمها كـ “قيمة”، فكانت النتيجة أن الضحك تحول إلى فخر، وأن الفضول تحول إلى حب.
الأهم أن التجربة كسرت قاعدة قديمة تقول: “عشان تنتشر لازم تتكلم زي الكل”، أثبت الطاهر عمر أن الناس متعطشة للاختلاف، متعطشة لصوت جديد، للون جديد، للهجة جديدة، وأن الجمهور العربي مستعد أن يبذل مجهود ويفهم، إذا كان المحتوى يستحق.
اليوم وبعد أن صار “سفير اللهجة السودانية” رسمياً، يتحمل الطاهر عمر مسؤولية أكبر، مسؤولية التوثيق والحفاظ، يبحث عن الكلمات التي تختفي، ويكتبها، ويمثل بها، ويعلمها للجيل الجديد، لأن اللهجة ليست كلمات فقط، اللهجة ذاكرة.
في الختام، جملة الطاهر عمر التي يختم بها دائماً “أتكلم سوداني.. وافتخر” لم تعد شعار شخص، صارت شعار مرحلة، مرحلة نعود فيها إلى أنفسنا، ونفتخر بها، ونقدمها للعالم كما هي، بلا تزييف وبلا خوف.
