في لفتة إنسانية تحمل الكثير من الدلالات، أعلنت اللجنة العليا لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، عن تخصيص دقيقة حداد قبل انطلاق فعاليات الدورة الثانية والثلاثين، التي تبدأ اليوم الجمعة 5 سبتمبر، إحياءً لذكرى ضحايا حادث حريق مسرح بني سويف المأساوي، والذي وقع في مثل هذا اليوم عام 2005، وأسفر عن فقدان نخبة من رموز وشباب المسرح المصري في واحدة من أشد الكوارث ألمًا في تاريخه الحديث.
وبحسب بيان المهرجان، فإن دقيقة الحداد ستُقام في الحادية عشرة صباحًا، قبل افتتاح أولى جلسات محور “رد الجميل” بقاعة المؤتمرات في المجلس الأعلى للثقافة، كما سيتم الوقوف دقيقة مماثلة قبل جميع العروض التي تقدم على مختلف مسارح المهرجان في اليوم نفسه، ليظل هذا التقليد السنوي شاهدًا على وفاء الوسط المسرحي لضحاياه.
ويأتي القرار في الذكرى العشرين للحادث الأليم الذي هزّ الأوساط الفنية والثقافية في مصر، حين اندلع حريق مروّع أثناء عرض مسرحية “مَن منّا؟” المأخوذة عن نص “حديقة الحيوان” للكاتب الأمريكي إدوارد ألبي، ضمن فعاليات الدورة الخامسة عشرة لمهرجان نوادي المسرح. وأسفر الحريق عن وفاة جميع المشاركين في العرض باستثناء ممثل واحد نجا بالصدفة، بالإضافة إلى أكثر من خمسين فنانًا وناقدًا واثنين من جنود الدفاع المدني، فضلًا عن إصابة 18 آخرين. وقد شكلت هذه الفاجعة نقطة تحول مأساوية في الذاكرة الثقافية المصرية.
منذ ذلك الحين، اعتُبر يوم 5 سبتمبر يومًا للمسرح المصري تحت شعار “لن ننساكم”، حيث يحرص مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي على تخليد الذكرى سنويًا، تقديرًا لمن فقدهم المسرح المصري في تلك الليلة الحزينة. وقد غدا هذا اليوم مناسبة لاستعادة الدروس والعِبر، والتأكيد على قيمة المسرح كفن إنساني جامع يخلّد أسماء مبدعيه حتى بعد رحيلهم.
ويعكس استمرار هذا التقليد وفاء المجتمع المسرحي، وتجديد العهد على مواصلة الطريق الذي بدأه هؤلاء الفنانون، وإبقاء ذكراهم حية في وجدان الأجيال الجديدة من المسرحيين. كما أن تخصيص دقيقة حداد في جميع مسارح المهرجان يعبّر عن وحدة المشهد المسرحي في مواجهة الحزن، وعن إصراره على تحويل الألم إلى طاقة تذكير ووفاء وإبداع.
وبهذا القرار، يبرهن مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي أن الفقد الكبير، رغم قسوته، لا يمكن أن يمحو أثر المبدعين، بل يبقى حافزًا لاستكمال رسالتهم في جعل المسرح مساحة للحياة، والوعي، والجمال.
