بقلم : د. محمد جمال الدين
تمر المجتمعات الإنسانية بلحظات تاريخية حرجة، تتردى فيها القيم إلى درك سحيق، حيث لا يصبح الصراع بين حق واضح وباطل جلي، بل ينقلب المشهد ليصبح الباطل هو العرف السائد، والحق هو الغريب المطرود، فما يشهده مجتمعنا اليوم ليس مجرد فساد إداري أو إنحراف سلوكي عابر، بل هو زلزال قيمي يضرب بنية المجتمع في مقتل، حيث تتشابك المصالح الضيقة لتخنق روح الإصلاح، ويتحول فيها الشريف إلى متهم، والمصلح إلى منبوذ.
إن أخطر ما يواجهنا اليوم هو “شرعنة” الفساد، حيث لم يعد الفاسد يمارس فساده خفية، بل أوجدت “الشلل” المنتفعة غطاء فلسفياً وأخلاقياً لجرائمها تحت مسميات الذكاء الاجتماعي، أو الواقعية، أو خلاف ذلك من مصطلحات فضفاضة لا وجود لها في قواعد الأخلاقيات الإنسانية. وفي هذا المناخ، تُقلب الآيات، فالمحسوبية والمجاملة غدت تُسمى “بناء علاقات” و”دبلوماسية”، وتغليب المصلحة الشخصية، صار يُنظر إليه كـ “طموح مشروع”، ولو كان على جثث المصلحة العامة، وأصبح الإقصاء والتهميش، أسلحة تُشهر في وجه كل من رفض الدخول في “حظيرة” المصالح، ليجد الإنسان الشريف نفسه معزولاً، ليس لنقص فيه، بل لأن “نوره” يكشف عورات ظلامهم.
وتتجلى الكارثة الكبرى حين تتغلغل هذه “الشلل” في مفاصل المؤسسات، التي تُعد حائط الصد الأخير للوعي الجمعي، مثل التعليم، والثقافة، والفن، إذ إن هؤلاء الذين يُفترض بهم حمل مشاعل التنوير، تحولوا في ظل المصالح الضيقة، إلى أدوات “لتزييف الوعي”، فماذا إذن ينتظر المجتمع إذا أصبح “الأستاذ الجامعي” يباع ويشترى بالولاءات، وماذا يبقى من روح الأمة إذا صار “المثقف” و”الفنان” يطبلون للزيف، مقابل فتات من الشهرة أو منصب زائل؟، والحقيقة إن وجود هذه الشلل في الأوساط التنويرية يعني تسميم المنبع، فبدلاً من صناعة جيل يقدس الحق، ننتج أجيالاً ترى في “الفهلوة” والمحسوبية طريقاً وحيداً للنجاح، مما ينذر بانهيار الشخصية الوطنية، وتآكل الهوية الأخلاقية للمجتمع.
وفى وسط هذا الضجيج الأخلاقي، تقف الدولة ككيان اعتباري يحاول جاهدًا إرساء قواعد “الجمهورية الجديدة”، القائمة على الشفافية والإصلاح الهيكلي، وهنا يبرز التساؤل الفلسفي العميق، ماذا تفعل الدولة بمفردها إذا كانت “الخلايا السرطانية” للمصالح الضيقة تنخر في جسد ومؤسساتها، فالدولة، مهما امتلكت من أدوات الرقابة، لا يمكنها أن تزرع “الضمير” في قلوب من باعوا أنفسهم للمصالح، إذ إن جهود الإصلاح التي تقودها القيادة السياسية تتطلب “ظهيراً شعبياً وأخلاقياً” من الشرفاء، فالوقوف مع الدولة في معركة الإصلاح هو معركة وجود، لأن استمرار هذه الشلل في تكميم أفواه المخلصين وتشويه صورتهم، يعني إجهاض كل محاولة للبناء، ومع التسليم بأن الإصلاح يبدأ من القمة كإرادة، لكن لابد أن يحميه الشرفاء في القاعدة من “قراصنة المصالح”.
من ناحية أخرى تمارس “شللية المصالح” نوعاً من الإرهاب المعنوي، فكل من ينطق بكلمة إصلاح، أو يساند توجه الدولة الشفاف، يُواجه بسيل من التهم المعلبة، في محاولة لخلق فجوة بين الدولة وبين أبنائها المخلصين، ليوهموا الجميع أن “الفساد” هو القدر الذي لا مفر منه، مستخدمين في ذلك نفوذهم في الأوساط الثقافية الإعلامية، لإغتيال شخصية كل من يحاول كشف زيفهم.
إن هذه الحالة من التردي، وإن طالت، فهي إلى زوال بضرورة السنن الكونية التاريخية، وإن دعمنا لمسيرة الإصلاح التي تنتهجها الدولة، هو السبيل الوحيد لكسر شوكة هذه “الشلل”، التي باعت وعي المجتمع بالفتات، فدولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة، وليعلم كل شريف منبوذ، وكل صاحب كلمة حق يواجه التهديد والإقصاء، أن العزلة بكرامة هي أرقى أنواع الحضور، ففي نهاية المطاف، ستقف الأجساد أمام قدرها، وستنطق الأعمال قبل الألسن، فالمناصب تزول، والشلل تتفكك عند أول اختبار للمصلحة، ولا يبقى إلا وجه الحق، فالحقيقة مهما حاصرتها سياط الزيف، في قاعات العلم أو منابر الفن، ستشرق يوماً لتمزق حجب الظلام، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
