أصبحت السمنة على نحو متزايد مصدر قلق عالمي كبير، وتعتبر “وباء القرن الحادي والعشرين”، ويمكن تعريف مرض زيادة الوزن بأنه تراكم غير طبيعي أو مفرط للأنسجة الدهنية التي يمكن أن تضر بالصحة.
وهذه الحالة ليست مجرد قضية سطحية تتعلق بوزن الجسم؛ بل عادة ما تكون مصحوبة بالتهاب مزمن خفيف في الجسم وترتبط بمجموعة واسعة من المشكلات الصحية الخطيرة، بما في ذلك مرض السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وأنواع معينة من السرطان وغيرها من الحالات المرضية الضارة.
كما أن العديد من هذه الأمراض المصاحبة هي مكونات لما يُعرف عادة باسم متلازمة التمثيل الغذائي، وهي عامل خطر شائع لأمراض القلب والأوعية الدموية ومرض السكري من النوع الثاني.
فما هي السمنة؛ وما مسبباتها؟ وهل للسمنة أنواع؟ وكيف ترتبط السمنة بالأمراض؟ وما علاقة الجينات بها؟ وإلى أيّ مدى تؤثر السمنة على جودة الحياة؟ وهل يُمكن الوقاية منها؟

ما هي أسباب السمنة؟
ينبع التفسير المبسط للسمنة من القانون الأول للديناميكا الحرارية، والذي يشير إلى أن السمنة تنتج عن اختلال التوازن بين تناول السعرات الحرارية ونفقات الطاقة، ووفقاً لهذا الرأي، فإن استهلاك سعرات حرارية أكثر مما يحتاجه الجسم، مقترناً بانخفاض النشاط البدني، يؤدي إلى تراكم الدهون الزائدة، ومع ذلك، فإن هذا التفسير يبسط الطبيعة المعقدة للسمنة بشكل مفرط.
ففي الواقع، تتضمن أسباب السمنة عوامل مختلفة، بما في ذلك الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والبيئة والسلوكيات الشخصية، والتفاعلات بين النمط الجيني والنمط الظاهري.
وتؤثر هذه العوامل على تناول الطعام ودوران العناصر الغذائية والتوليد الحراري واستخدام الدهون وتخزين الدهون في مناطق مختلفة من الجسم؛ فالتحكم في وزن الجسم وتكوينه هو عملية متعددة الأوجه تتضمن تناول الطاقة وإنفاق الطاقة وترسيب الدهون وتترابط هذه العناصر وتنظمها الأنظمة العصبية والغدد الصماء، إذ تلعب العديد من الببتيدات العصبية والهرمونات دوراً.
وتساهم العوامل البيئية مثل قلة النوم، والعمل بنظام المناوبات، ودرجات الحرارة المحيطة، وجودة النظام الغذائي بشكل عام، ومستويات النشاط البدني، وميكروبات الأمعاء، ومسببات اضطراب الغدد الصماء والأدوية، والتأثيرات داخل الرحم والتأثيرات فوق الجينية بين الأجيال، في تنظيم وزن الجسم وتوزيع الدهون، ويجعل تعقيد هذه التفاعلات من السمنة، حالة صعبة للدراسة والتعامل معها.
أنواع السمنة
يعد أحد التحديات في دراسة السمنة وعلاجها، هو عدم تجانسها، إذ تظهر السمنة بطرق مختلفة بين الأفراد مع أنماط متفاوتة من توزيع الدهون والمخاطر الصحية المرتبطة بها، وهناك نوعان شائعان من السمنة هما السمنة تحت الجلد، والسمنة الحشوية، والتي تمثل طرفي نقيض من الطيف.
السمنة تحت الجلد.. يتميز هذا النوع من السمنة بتراكم الدهون تحت الجلد مباشرة، وخاصة حول الوركين والفخذين، وهذا التوزيع للدهون أكثر شيوعاً عند النساء ويشار إليه غالباً باسم “السمنة على شكل كمثرى” أو السمنة الأنثوية، في حين أن الدهون تحت الجلد أقل ضرراً مقارنة بأنواع أخرى من الدهون إلا أن التراكم المفرط يمكن أن يؤدي مع ذلك إلى مشكلات صحية.
السمنة الحشوية.. تنطوي على تراكم الدهون حول الأعضاء الداخلية وخاصة في منطقة البطن، وهذا النوع من الدهون المعروف باسم الأنسجة الدهنية المساريقية، وهو أكثر شيوعاً عند الرجال ويرتبط بخطر أعلى للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وتعتبر الدهون الحشوية أكثر خطورة من الدهون تحت الجلد لأنها أكثر نشاطاً أيضياً ويمكن أن تؤدي إلى زيادة الالتهاب ومقاومة الأنسولين مما يساهم في تطور متلازمة التمثيل الغذائي.
مؤشر كتلة الجسم وتحديد السمنة

لتحديد ما إذا كان الفرد يعاني من السمنة وإلى أي مدى تم تطوير واستخدام طرق مختلفة، وتشمل هذه الطرق قياسات الجسم وقياس الكثافة والتقنيات القائمة على التصوير، إلا أن الأداة الأكثر استخداماً لتقييم السمنة هي مؤشر كتلة الجسم.
ومؤشر كتلة الجسم هو حساب بسيط يقدر السمنة عن طريق قسمة وزن الفرد بالكيلوجرام على طوله بالأمتار المربعة، وعلى الرغم من استخدامه على نطاق واسع، فإن مؤشر كتلة الجسم هو مقياس غير دقيق للدهون في الجسم، ولا يأخذ في الاعتبار الاختلافات في توزيع الدهون.
وعلى الرغم من أن مؤشر كتلة الجسم هو مقياس مناسب ومستخدم على نطاق واسع، إلا أنه يمكن استكماله بتقييمات أخرى مثل محيط الخصر ونسبة الخصر إلى الورك ونسبة الخصر إلى الطول لتوفير تقييم أكثر دقة للسمنة، وخاصة في التمييز بين السمنة تحت الجلد والسمنة الحشوية.
والسمنة ليست مجرد مشكلة تجميلية؛ بل إنها تشكل مخاطر كبيرة على الصحة، ويمكن أن يؤدي تراكم الدهون الزائدة، وخاصة الدهون الحشوية إلى مجموعة من المشكلات الصحية، فهي عامل خطر رئيسي لتطور مرض السكري من النوع الثاني، إذ تساهم الدهون الزائدة وخاصة بمنطقة البطن في مقاومة الأنسولين وهي الحالة التي لا تستجيب فيها خلايا الجسم للأنسولين بشكل فعال وهذا يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم وبالنهاية مرض السكري.
هل تؤدي السمنة إلى الإصابة بالسرطان؟
ترتبط السمنة ارتباطاً وثيقاً بأمراض القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم ومرض الشريان التاجي والسكتة الدماغية، وتساهم الدهون الزائدة وخاصة الدهون الحشوية في تراكم اللويحات بالشرايين، مما يؤدي إلى تصلب الشرايين، وهي الحالة التي يمكن أن تؤدي إلى النوبات القلبية والسكتات الدماغية.
وارتبطت السمنة بزيادة خطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان، بما في ذلك سرطان الثدي والقولون، وسرطان بطانة الرحم، ولم يتم فهم الآليات الدقيقة بشكل كامل، ولكن يُعتقد أن الالتهاب المزمن والتغيرات الهرمونية المرتبطة بالسمنة تلعب دوراً في تطور السرطان.
ويمكن أن يؤدي الوزن الزائد، وخاصة في الصدر والبطن إلى مشكلات في الجهاز التنفسي مثل انقطاع النفس أثناء النوم، وهي حالة تتميز بانقطاع التنفس أثناء النوم، كما يمكن أن يؤدي هذا إلى ضعف جودة النوم والتعب وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
