بقلم: سميحة المناسترلي
لم يعد الأمر مقتصرًا على رأي فردي أو قلم ناقد، بل أصبح مطلبًا عامًا يشترك فيه المواطن البسيط، والمثقف، والمفكر، والكاتب، جميعهم يطالبون بعودة الدراما الحقيقية التي تعكس الواقع المصري والعربي، وتسهم في إعادة بناء الإنسان والمجتمع، ليكون قادرًا على مواجهة التحديات الكبرى التي تمر بها المنطقة والعالم.
اليوم، نشهد انتشارًا لدراما “حسب الطلب” أو كما يمكن تسميتها بـ”الدراما الملاكي”، التي تُصنع وفقًا لمعايير السوق وإحصائيات المشاهدة، دون النظر إلى تأثيرها العميق على المجتمع. صحيح أن الدراما صناعة، وتُشكِّل أحد أهم أعمدة الاقتصاد في كثير من الدول، لكنها أيضًا أداة توجيه خطيرة تؤثر على وعي وثقافة الشعوب.
هل الأولوية للربح أم لبناء المجتمع؟
السؤال الجوهري هنا: هل يُعقل أن تدار صناعة الدراما فقط بناءً على نسب المشاهدة، دون اعتبار لتأثيرها الاجتماعي والثقافي؟ خاصة وأن الشريحة الكبرى من المشاهدين تشمل فئات تحتاج إلى إعادة بناء فكري وثقافي وسلوكي، فبدلًا من استغلال الفن في ترسيخ القيم الإيجابية، نجد أن بعض الأعمال الدرامية تُكرّس ثقافة الفوضى والانحراف، مما يساهم في انتشار العنف، والجريمة، وتعاطي المخدرات، وتشويه الهوية المصرية والعربية.
الدراما ليست مجرد تسلية، بل هي قوة ناعمة قادرة على تشكيل وعي المواطن وتوجيهه نحو التحضر والانتماء، أو على العكس، دفعه نحو الفوضى والانحراف الأخلاقي. للأسف، هناك أعمال درامية تتجاهل هذه المسؤولية، وتركز على الربح السريع، متجاهلة أن المجتمع بحاجة إلى فن راقٍ يساعده في استعادة هويته وقيمه الأصيلة.
الدراما بين الرسالة والمسؤولية
إذا استمر هذا النهج، فسنجد أنفسنا أمام مجتمع هشّ، تتحكم فيه الفوضى بدلاً من القيم السليمة، وسيكون الصوت الأعلى لمن يسعى إلى الإثارة والربح على حساب الجمهور الواعي والمثقف الذي يبحث عن محتوى يليق بتاريخه وثقافته.
الفن والإعلام هما الدرع الحقيقي لحماية المجتمعات، فإذا تم استغلالهما بشكل صحيح، فسيكونان قوة صلبة تدعم استقرار الوطن، أما إذا تُركا بلا ضوابط، فقد يصبحان أداة لهدم القيم وتفكيك المجتمع، كما حدث في بعض الدول المجاورة.
رسالة إلى صُنّاع الدراما
نحن بحاجة إلى نصوص قوية تعكس هويتنا، وترفع من مستوى الوعي الاجتماعي والثقافي، بدلاً من تقديم أعمال تمجّد العنف والانحراف تحت مسمى “الأكشن” أو بذريعة أن “الجمهور يريد ذلك”، وهو مبرر مغلوط، لأن الجمهور الواعي يطمح إلى محتوى يرقى بفكره وقيمه.
كل التقدير للأعمال الدرامية التي تحترم عقل المشاهد، وتسهم في نشر الوعي والضمير الإنساني والتاريخي. نأمل أن نشهد في المستقبل محتوى أكثر مسؤولية يليق بتاريخ مصر وحضارتها العريقة.
وحتى لقاء آخر، نرصد فيه الأعمال الرمضانية سلبًا وإيجابًا.. رمضان كريم.
