بقلم / محمد سعد
بالصدفة يعرض مسلسل ” طالع نازل ” بطولة منى زكي ومحمد شاهين وإخراج هاني خليفة في نفس توقيت عرض مسلسل ” هي والمستحيل ” إنتاج عام 1979 بطولة صفاء أبو السعود ومحمود الحديني .
وبين العملين تشابها في فكرة الخيانة وتخلي الزوج عن زوجته بعدما قدمت له تضحيات عظيمة مع الاختلاف طبعا في تفاصيل كثيرة ولكن المسلسلان يكشفان كيف تغيرت صورة المرأة في الدراما المصرية من زينب التي حولت المحنة إلى منحة، إلى نورا التي اختارت هدم المعبد على الجميع؟
قدم مسلسل «هي والمستحيل»، من تأليف فتحية العسال وإخراج إنعام محمد علي، نموذجًا لدراما تبني المجتمع، من خلال شخصية زينب التي جسدتها صفاء أبو السعود. فرغم أنها كانت فتاة بسيطة غير متعلمة، استطاعت أن تحول محنتها إلى منحة، فتتعلم، وتربي ابنها بمفردها، وتبني لنفسها حياة جديدة، دون أن تسمح لظروفها القاسية بأن تهزمها.
والأكثر دلالة أن زينب، رغم ما تعرضت له من طليقها الذي طلقها وسافر غير مكترث بتضحياتها ووقوفها بجواره وخدمتها له ولأمه حتى تخرج وأصبح له شأن كبير، لم تفكر في الانتقام منه عندما عاد من الخارج. كان بإمكانها أن تحرمه من رؤية ابنه أو تخفي عنه حقيقة أنه أصبح أبًا، لكنها اختارت طريقًا أكثر نبلًا، فسعت إلى تقريب الأب من ابنه، وشجعت الصغير على حب والده.
ورفضت زينب العودة إلى طليقها، ليس رغبة في الانتقام، وإنما لأنها أحبت جارها الذي وقف بجوارها في محنتها، وقررت أن تكمل حياتها معه. لقد انتصرت زينب ببناء مستقبلها فقد تعلمت وحصلت على الشهادة وعملت في نفس الوقت ، لا بتدمير مستقبل الرجل الذي تخلى عنها.
على النقيض، تأتي نورا، التي تجسدها منى زكي في مسلسل «طالع نازل»، امرأة متعلمة ومثقفة وسيدة أعمال ناجحة، تمتلك من الوعي والإمكانات ما لم تكن زينب تمتلكه. ومع ذلك، اختارت المؤلفتان، سماء أحمد عبد الخالق وإنجي القاسم، أن تدخلا بها في معركة تهدد بهدم المعبد على كل من فيه، وصولًا إلى تدمير نجاح زوجها الموسيقار علي، الذي كان لها فضل كبير في جوانب من نجاحه.
وبدلًا من أن تكون المواجهة مع الخيانة طريقًا لاستعادة الذات وبناء حياة جديدة، تتحول إلى صراع يهدد بتدمير الطرفين، وكأن الانتصار لا يتحقق إلا بإسقاط الآخر.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف أمامها: زينب، التي افتقدت التعليم والإمكانات، امتلكت من النضج الإنساني ما جعلها تتجاوز جراحها دون أن تحرم ابنها من أبيه. أما نورا، رغم نجاحها وثقافتها، فتضعنا أمام نموذج للانتقام الذي قد يدمر كل شيء، بما في ذلك صاحبه.
لست ضد أن تغضب المرأة أو ترفض الخيانة أو تتمسك بحقوقها وكرامتها، لكن هناك فارقًا بين استرداد الحقوق والرغبة في تدمير الآخرين.
لقد علمنا مسلسل «هي والمستحيل» أن الدراما تستطيع أن تكون أداة لبناء الإنسان والمجتمع، وأن أعظم انتصار للمرأة هو أن تتعلم وتستقل وتواصل حياتها بكرامة. ويبقى السؤال: هل نريد دراما تلهم المرأة كيف تنهض من أزماتها، أم دراما تجعل الانتقام غاية، حتى لو كان الثمن هدم حياة الجميع؟
بين زينب ونورا، يتجدد السؤال عن رسالة الدراما: هل ننتصر عندما نبني حياتنا من جديد، أم عندما نهدم حياة من تسببوا في جراحنا .
والسؤال الأهم لماذا يصر صناع الدراما في السنوات الأخيرة على تقديم الشخصيات السلبية والمشوهة نفسيا والفاسدة والمجرمة والفاسقة فقط ؟!
وأين النماذج الإيجابية والمشرفة والقدوة حتى عندما تقدم الرموز في الأعمال الفنية نقوم بتشويهها ؟!
