اختتمت في القاهرة فعاليات «مؤتمر عقود الفيديك في الوطن العربي – النسخة الأولى»، الذي انعقد يومي 2 و3 أكتوبر 2026، بمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين والمهنيين في مجالات الهندسة والعقود والقانون والتحكيم وإدارة المشروعات، إلى جانب المشاركين عبر تقنية الاتصال عن بُعد.
وجاء انعقاد المؤتمر في توقيت تشهد فيه المنطقة العربية توسعًا متسارعًا في حجم المشروعات الكبرى وتزايدًا في تعقيد العلاقات التعاقدية، بما يجعل تطوير آليات إدارة العقود والمخاطر والمطالبات وتسوية النزاعات ضرورة مهنية واقتصادية، وليس مجرد خيار تنظيمي.
وكان رئيس المؤتمر د. هاني حسونة، فيما تولى د. محمد البلاسي مهام الأمين العام، وتولت د. مي عباس مهام مقرر عام المؤتمر، ضمن منظومة استهدفت الجمع بين المحتوى المتخصص والتنظيم المهني والتفاعل المباشر مع قضايا سوق العمل
تحت مظلة شركة بروفيديكس.
العقود.. من الوثيقة القانونية إلى أداة لإدارة المشروع
ركز المؤتمر على إعادة النظر إلى عقود FIDIC باعتبارها أكثر من مجرد وثائق قانونية تنظم العلاقة بين أطراف المشروع؛ فهي تمثل أحد أهم الأدوات التي يمكن من خلالها إدارة المخاطر، وتحديد المسؤوليات، وضبط التغييرات، وحماية الحقوق، وتقليل احتمالات النزاع.
وشهدت جلسات المؤتمر نقاشات متخصصة حول مجموعة من القضايا المرتبطة بعقود المشروعات، شملت المطالبات، والتغييرات، والتأخيرات، والمخاطر التعاقدية، وتسوية النزاعات، إلى جانب الجوانب القانونية والفنية والإدارية التي تحكم تنفيذ المشروعات.
وأكدت المناقشات أن الإدارة الاحترافية للعقد تبدأ قبل ظهور المشكلة، من خلال القراءة الدقيقة للالتزامات والمخاطر وآليات التعامل معها، وليس بعد تحولها إلى مطالبة أو نزاع.
نخبة من الخبرات على منصة واحدة
استضاف المؤتمر مجموعة من الخبرات المتخصصة التي أثرت الحوار العلمي والمهني، من بينهم د. عصام شرف، د. شريف الهجان، د. نبيل عباس، د. يوسف العليان، د. محمد فياض، م .رامي إسماعيل ، د .فارس عمران ، د. أحمد اصطيفي، و م. محمد ماجد.
وساهم تنوع التخصصات والخبرات في تقديم رؤى متعددة حول واقع العقود والمشروعات، بما عزز طبيعة المؤتمر كمساحة للحوار بين الخبرة الهندسية والقانونية والإدارية والتحكيمية.
المعرفة التطبيقية في مواجهة تحديات الواقع
حرصت فعاليات المؤتمر على تجاوز الطرح النظري المجرد، من خلال التركيز على الخبرات العملية والإشكاليات التي تواجه أطراف المشروعات في مراحل التنفيذ المختلفة.
وطرحت المناقشات تساؤلات جوهرية حول كيفية اكتشاف المخاطر في الوقت المناسب، وإدارة التغييرات والمطالبات، والتعامل مع التأخيرات، وحماية الحقوق التعاقدية، والوصول إلى حلول أكثر كفاءة عند نشوء الخلافات.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن نجاح المشروع لا يعتمد على جودة التصميم والتنفيذ فقط، وإنما يرتبط أيضًا بكفاءة إدارة العلاقة التعاقدية بين مختلف الأطراف.
حضور مباشر ومشاركة رقمية
أتاح المؤتمر نموذجًا يجمع بين الحضور المباشر والمشاركة أونلاين، بما وفر مساحة أوسع للتفاعل والوصول إلى المتخصصين من خارج نطاق الحضور التقليدي.
وساهم هذا النموذج في توسيع دائرة المشاركة، مع الحفاظ على قيمة التواصل المباشر وتبادل الخبرات بين الحاضرين، والاستفادة في الوقت نفسه من الإمكانات التي توفرها المشاركة الرقمية.
التواصل المهني.. قيمة مضافة للمؤتمر
لم تقتصر فعاليات المؤتمر على الجلسات العلمية، بل مثلت المناسبة فرصة للقاء المتخصصين وتبادل الخبرات وبناء علاقات مهنية جديدة بين العاملين في قطاعات العقود والهندسة والقانون والاستشارات والتحكيم وإدارة المشروعات.
ويمثل هذا الجانب أحد أهم المخرجات التي يمكن أن تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء المؤتمر، من خلال فرص التعاون وتبادل المعرفة وبناء شبكات مهنية أكثر ترابطًا على المستوى العربي.
«معًا نحو عقود أقوى ونجاح مستدام»
جاء شعار المؤتمر:
«معًا نحو عقود أقوى ونجاح مستدام»
ليعكس رؤية تتجاوز مفهوم العقد باعتباره وثيقة قانونية، إلى اعتباره منظومة متكاملة لإدارة العلاقة بين أطراف المشروع وتحقيق التوازن بين الحقوق والالتزامات.
فالعقد القوي لا يقاس فقط بدقة صياغته، وإنما بمدى وضوحه وقابلية تطبيقه، وقدرة أطرافه على فهم التزاماتهم وإدارة المخاطر والتعامل مع المتغيرات بصورة احترافية.
بداية لمسار عربي متخصص
وتأتي أهمية النسخة الأولى من المؤتمر في كونها تمثل خطوة تأسيسية نحو بناء منصة عربية متخصصة للحوار حول عقود FIDIC، في ظل الحاجة المتزايدة إلى تطوير الكفاءات المهنية القادرة على إدارة العقود والمطالبات والمخاطر والنزاعات في المشروعات الكبرى.
فالاستثمار في المعرفة التعاقدية لا يمثل استثمارًا في الأفراد فقط، بل في قدرة المؤسسات والمشروعات على تقليل الخسائر، وتحسين الأداء، ورفع كفاءة التنفيذ، وتحقيق نتائج أكثر استدامة.
من القاهرة إلى المنطقة العربية
اختتم المؤتمر فعالياته برسالة واضحة مفادها أن تطوير منظومة المشروعات يبدأ من تطوير الكفاءات التي تديرها، وأن الوقاية من النزاعات تبدأ من الوعي بالمخاطر وإدارة العقد بصورة صحيحة منذ المراحل الأولى.
وبهذا المعنى، لم تكن النسخة الأولى مجرد فعالية متخصصة انتهت بانتهاء جلساتها، وإنما خطوة لفتح حوار مهني عربي أكثر اتساعًا حول مستقبل العقود وإدارة المشروعات.
«عقود أقوى.. إدارة أكثر احترافية.. ومشروعات أكثر استدامة»
كانت تلك هي الرسالة التي حملتها النسخة الأولى من مؤتمر عقود الفيديك في الوطن العربي من القاهرة إلى المجتمع المهني العربي.
