بقلم الإعلامي/ خالد سالم
ليست الإساءة إلى الإعلاميين دائمًا كلمة جارحة أو قرارًا مجحفًا بحق إعلامي، فقد تكون الإساءة الأكبر عندما يُهمَّش تاريخ أصحاب المهنة، ويُتعامل مع أجيال من الإعلاميين الذين صنعوا وجدان المصريين وكأنهم بلا تاريخ أو بلا حقوق، أو عندما يُحرم الإعلاميون من أبسط حق نقابي وهو أن يختاروا من يمثلهم بإرادتهم الحرة.
وهنا يحق لنا أن نطرح سؤالًا واضحًا: هل ما جرى في ملف نقابة الإعلاميين خلال السنوات الماضية يتفق مع روح الدستور والقانون واحترام تاريخ الإعلام المصري؟
إن قانون نقابة الإعلاميين رقم 93 لسنة 2016 كان واضحًا في تحديد طبيعة اللجنة التي تتولى إجراءات تأسيس النقابة؛ فقد نص على تشكيل لجنة مؤقتة من أحد عشر إعلاميًا من ذوي الخبرة، وحدد مهمتها في مباشرة إجراءات تأسيس النقابة، كما نص صراحة على أن تنتهي مهمتها بانتخاب مجلس إدارة للنقابة، على أن يتم ذلك خلال ستة أشهر على الأكثر من تاريخ أول اجتماع لها.
لكن الواقع الذي عاشه الإعلاميون كان مختلفًا بصورة كبيرة عن هذا الإطار الزمني الذي حدده القانون.
فقد استمرت اللجنة التأسيسية في ممارسة دورها لسنوات طويلة، حتى أصبحت المدة التي كان يفترض أن تكون ستة أشهر تمتد إلى نحو عشر سنوات منذ صدور القانون عام 2016.
وهنا لا نتحدث عن خلاف شخصي مع أشخاص بعينهم، ولا عن رغبة في إقصاء أحد، وإنما نتحدث عن مبدأ نقابي ودستوري أصيل: التداول والانتخاب وحق أصحاب المهنة في اختيار من يمثلهم.
أين احترام تاريخ الإعلاميين؟
الإعلام المصري ليس وليد السنوات الأخيرة.
وراء هذه المهنة أجيال من المذيعين والمخرجين والمعدين والمحررين والمراسلين والفنيين والعاملين في الإذاعة والتليفزيون، ممن صنعوا مدرسة إعلامية مصرية امتد تأثيرها إلى العالم العربي كله.
ومن غير المقبول أن يشعر إعلامي أفنى عشرات السنوات من عمره في خدمة المهنة بأن صوته لا قيمة له، أو أن حقه في المشاركة النقابية يمكن تأجيله عامًا بعد عام.
النقابة في جوهرها ليست مكتبًا إداريًا ولا مجموعة من الأشخاص، وإنما هي إرادة جمعية عمومية.
والجمعية العمومية هي التي تمنح الشرعية الانتخابية لمجلس النقابة، وهي التي تحاسب وتراقب وتختار وتستبدل.
أما اللجنة المؤقتة، فطبيعتها ــ كما وصفها القانون نفسه ــ أنها مؤقتة.
الدستور قال كلمته
الدستور المصري وضع مبدأ واضحًا بشأن النقابات المهنية، إذ نصت المادة 77 على أن القانون ينظم إنشاء النقابات المهنية وإدارتها على أساس ديمقراطي، ويكفل استقلالها، كما نصت على عدم تدخل الجهات الإدارية في شؤونها.
ومن هنا يصبح احترام الانتخابات ليس ترفًا ولا مطلبًا شخصيًا، وإنما جزءًا من الفكرة التي قامت عليها النقابات المهنية أصلًا.
فإذا كان القانون قد حدد للجنة التأسيسية مدة انتقالية تنتهي بانتخاب مجلس إدارة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
كيف تحولت المرحلة المؤقتة إلى واقع ممتد لسنوات؟
هذا السؤال لا يوجه اتهامًا إلى شخص، ولكنه يطالب بتفسير مؤسسي وقانوني واضح أمام جموع الإعلاميين.
الإعلان عن الانتخابات… ثم ماذا؟
الأمر الأكثر إثارة للتساؤل أن النقابة أعلنت في يونيو 2026 عن الاستعداد لإجراء أول انتخابات في تاريخها، ووصفتها بأنها خطوة لاختيار أول مجلس منتخب، كما جرى الإعلان عن انتهاء مدة المجلس التأسيسي.
وهذا الإعلان في حد ذاته يفتح صفحة جديدة.
لكن الإعلاميين من حقهم أن يسألوا:
لماذا احتاج الأمر إلى كل هذه السنوات؟
ولماذا لم يتم الوصول إلى الانتخابات في المدة التي حددها القانون؟
وإذا كانت هناك أسباب قانونية أو تنظيمية أو إجرائية حالت دون إجراء الانتخابات في موعدها، فلماذا لم يتم وضع الرأي العام الإعلامي أمام هذه الأسباب بصورة واضحة وموثقة؟
الإعلاميون لا يطلبون امتيازًا.
إنهم يطلبون حقًا أصيلًا في المشاركة واختيار ممثليهم.
احترام القانون يبدأ من احترام روحه
قد يقول البعض إن هناك إجراءات لبناء الجمعية العمومية وتنقية جداول العضوية واستكمال شروط القيد.
وهذه إجراءات مهمة ولا خلاف على ضرورة سلامتها.
بل إن نقيب الإعلاميين الحالي طارق سعده سبق أن تحدث في 2019 عن أن تكوين جمعية عمومية سليمة كان أحد أسباب تأخر الانتخابات، وربط ذلك بشروط القيد والانتقال من جدول تحت التمرين إلى جدول المشتغلين.
لكن السؤال المنطقي يظل قائمًا:
هل يمكن أن تبرر الإجراءات التنظيمية كل هذه السنوات؟
وهل كان من الممكن إنجاز هذه الإجراءات خلال إطار زمني أقرب إلى ما حدده القانون؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها عداءً للنقابة أو للقائمين عليها.
لسنا ضد النقابة… نحن مع نقابة قوية
وأقولها بوضوح:
نحن لسنا ضد نقابة الإعلاميين، بل نحن من أكثر الناس حرصًا على وجود نقابة قوية ومستقلة وديمقراطية.
ولا نريد إسقاط مؤسسة، وإنما نريد بناء مؤسسة تستمد قوتها من إعلاميي مصر.
نريد نقابة تحمي الإعلامي، وتدافع عن حقوقه، وترفع من شأن المهنة، وتحافظ على كرامة أصحابها.
نريد نقابة لا يشعر فيها الإعلامي بأنه مجرد رقم في جدول عضوية، وإنما عضو له صوت وحق ومسؤولية.
ونريد مجلسًا منتخبًا يستطيع الإعلاميون محاسبته، كما يستطيع المجلس المنتخب أن يتحمل المسؤولية أمام الجمعية العمومية.
الإساءة الحقيقية
الإساءة الحقيقية إلى الإعلاميين ليست في انتقاد أداء نقابي.
الإساءة الحقيقية هي أن يشعر إعلامي مصري قضى عمره في خدمة بلده ومهنته أن صوته لا يُسمع.
الإساءة الحقيقية هي أن يتحول المؤقت إلى دائم.
الإساءة الحقيقية هي أن يصبح الانتخاب وعدًا مؤجلًا.
والإساءة الحقيقية هي ألا يشعر صاحب المهنة بأن المؤسسة التي يفترض أن تحمي حقوقه تستمع إليه وتحترم إرادته.
لقد تحمل الإعلاميون سنوات طويلة من الانتظار، وحان الوقت لأن تتحول نقابة الإعلاميين إلى مؤسسة ديمقراطية مكتملة الأركان، يحتكم فيها الجميع إلى القانون وصوت الجمعية العمومية.
وإذا كانت انتخابات 2026 قد أصبحت معلنة، فإن المطلوب الآن ليس مجرد الإعلان عنها، وإنما استكمالها بشفافية، وفق جدول زمني واضح، وإتاحة الفرصة لكل من تتوافر فيه الشروط القانونية للترشح والتصويت، واحترام إرادة الجمعية العمومية.
فالإعلام الذي يدعو الناس إلى احترام القانون لا بد أن يبدأ بنفسه.
والإعلامي الذي يدافع عن الديمقراطية وحق المواطن في الاختيار، من حقه أن يجد هذه الديمقراطية داخل مؤسسته النقابية.
احترموا تاريخ الإعلاميين المصريين…
احترموا القانون…
احترموا الدستور…
واحترموا صوت الجمعية العمومية.
فالنقابة ليست ملكًا لأحد، وإنما هي ملك لأصحاب المهنة جميعًا.
بقلم
الإعلامي/ خالد سالم
