بقلم : محمد جمال الدين
إن بناء الأمم وصون هوياتها لا يتحققان بالشعارات الجوفاء، ولا بالخطابات الرومانسية المستهلكة، بل يقومان على صلابة المؤسسات وعدالة المناخ الأكاديمي الذي يُفرخ العقول ويصون التراث، وحين يتحول الصرح التعليمي الذي يُفترض أن يكون منارة للعلم وحراسة للوجدان القومي، إلى إقطاعية شخصية وأبراج عاجية تُدار بالهيمنة والتعسف، فإننا لا نكون أمام خلل إداري عابر، بل أمام خيانة وطنية صامتة لثروة الأمة وذاكرتها، من هنا تبرز مأساة “شعبة الموسيقى الشعبية” في المعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون، حيث تجسد العبث بالمال العام واحتكار المعرفة على يد فرد واحد يفتقر إلى أبسط مقومات الصنعة الأكاديمية، في تناقض صارخ مع روح العصر وتوجيهات القيادة السياسية الواعية.
يقول الله تعالى في محكم كتابه: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}، إن ما تشهده شعبة الموسيقى الشعبية بأكاديمية الفنون يمثل تجسيداً حياً لهذه الآية الكريمة، فشعبة يُفترض أن تضطلع بحفظ التراث الموسيقي المصري، أحد أهم ركائز الهوية الوطنية، تُدار منذ عقود تحت وطأة هيمنة أستاذ متفرغ نصب نفسه حاكمًا بأمره، يبطش بمقدرات الأجيال، ويغلق الأبواب في وجه الطموح الأكاديمي، وعندما نتأمل بصرامة نقدية هذا الواقع المُزرِي، نجد العجب العجاب في الممارسات الإدارية والعلمية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر مهزلة القبول العددي والنوعي، إذ التحق بالشعبة هذا العام ثلاثة طلاب فقط لمرحلة البكالوريوس، وفي الأعوام السابقة نفس العدد بل وفي بعض السنوات تظل الشعبة في مرحلة البكالوريوس بلا طلاب، في حين يُستنزف المال العام على رواتب أعضاء هيئة تدريس وجهاز إداري يكفون لتدريس أمة، ليكون النصيب ثلاثة رؤوس لا غير!، والأدهى من ذلك وأشد نكاية باللوائح، أن يكون من بين الثلاثة اثنان خريجي الدبلومات الفنية وواحد خريج الثانوية العامة، متجاوزين النسبة المقررة قانوناً (70% للثانوية العامة، و30% للدبلوماتالفنية)، بينما تظل الشعبة لسنوات طويلة مقفولة أو خاوية على عروشها لأن الطلاب هربوا من جحيم التسلط.
إن جوهر تخصص “الموسيقى الشعبية”، يقوم على توثيق التراث الموسيقي، من خلال جمع المادة الميدانية وتدوينها بالنوتات الموسيقية بدقة، فالتوثيق النصي والشعري هو من اختصاص قسم الأدب الشعبي، أما الموسيقى فأساسه النوتة، ولكن الطامة الكبرى تكمن في أن خريجي البكالوريوس، ودبلومات الدراسات العليا، وحملة الماجستير في هذه الشعبة، لا يجيدون قراءة أو كتابة أو تدوين النوتات الموسيقية أصلاً!، ومع ذلك تجد مشاريع التخرج ورسائل الماجستير مفعمة بنوتات موسيقية مدونة!، فمن كتبها؟، ومن سمح بتمريرها ومنح الدرجات بناءً عليها؟، وكيف وصل هذا “الأستاذ المتفرغ” نفسه إلى درجة الأستاذية وتولى مقاليد الأمور، وهو لا يجيد قراءة أو كتابة النوتة الموسيقية، ولا يملك سجلاً إبداعياً في تلحين أو تأليف أو توزيع موسيقي، بل تكاد أبحاثه ومشاركاته العلمية تكون معدومة، أو لا تعد على أصابع اليد الواحدة؟!، وكيف مُنحت الدكتوراه والأستاذية لمن يجهل أبسط بديهيات تخصصه؟، إنه عبث ومسرحية هزلية.
وتتواتر الشهادات عن طلاب دخلوا هذه الشعبة فقضوا خمس أو ست سنوات بدل الأربع، مرعوبين من تجبر هذا الأستاذ، مما أدى إلى عزوف تام وشبه كلي عن الإلتحاق بها طوال العقود الأخيرة، وفي الوقت نفسه وعلى مدار عقود، لم يُمنح الماجستير إلا لدارسة وهي الآن مدرس مساعد بالشعبة واحد خريجي الشعبة المعين بمعهد دراسات الفنون الشعبية، وكلاهما لا علاقة لهما بالتدوين والتحليل الموسيقى، ولو نظرت إلى رسائلهما ستجد النوتات الموسيقية كاملة لنماذج الجمع ومعها التحليل الموسيقى، مع وجود أخطاء كارثية، امتلك أنا شخصيا وثائق رسمية منها، والأدهى من ذلك أن تلك الشعبة لم تُمنح الدكتوراه إلا لفرد واحد مقرب من هذا الأستاذ المسيطر، وهو خبير لتدريس آلة العود بمدرسة ومعهد الموسيقى العربية، فهل هذه شعبة في معهد أكاديمي لتعليم الفنون أم إقطاعية شخصية؟، عدد الحاصلين على الدكتوراه اثنان وكذلك الماجستير، بينما دبلوم الدراسات العليا يظل خاليا لسنوات عديدة من التحاق أي دارس به، ومرحلة البكالوريوس إن التحق بها فلا يتجوز الثلاث طلاب، وهنا يبرز السؤال : أين المسؤولون؟، وما هذا الصمت المريب، أم هذا تواطؤ مقصود؟.
وهنا يبرز السؤال الأكثر جوهرية، والذي يمزق جدار الصمت، أين إدارة المعهد؟، وأين عمادة المعهد؟، وأين وكالة المعهد؟، وأين رئاسة قسم فنون الأداء الشعبي التابع له هذه الشعبة الموبوءة؟، وكيف يرضى هؤلاء المسؤولون طوال عقود طويلة وحتى يومنا هذا، أن تبقى هذه الشعبة خاوية على عروشها، أو لا يلتحق بها سوى دارس أو اثنين أو ثلاثة على الأكثر، بينما يتضاءل عدد الخريجين ليصبح معدوماً أو لا يعد على أصابع اليد الواحدة في مرحلتي الماجستير والدكتوراه؟، أي خنوع هذا، وأي تستر أو تدليس يمارسونه، وهم يغمضون أعينهم عن هذا الإنهيار المريع والتعطيل المتعمد للمسيرة التعليمية؟، ألا يعلم هؤلاء أن السكوت الإداري عن الفساد هو شراكة كاملة فيه؟، وإن ترك الحبل على الغارب لهذا المتسلط يعكس أما تواطؤاً بيناً، أو عجزاً فاضحاً، لا يليق بمن أسندت إليهم أمانة إدارة صروح الفنون المصرية.
إن استمرار هذا العبث يمثل إهدارًا صارخًا للمال العام الذي يُنفق على شعبة ميتة إكلينيكياً، لا تقدم بحوثاً حقيقية ولا تخرج كوادر قادرة على كتابة أو قراءة نوتة موسيقية، بينما يقبع الأستاذ المهيمن على عرش الإقطاعية بلا إنجاز ولا علم، وهذا الواقع الأليم يتصدى له بوضوح حاسم ما أكد عليه مراراً وتكراراً السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعدم الإستقواء بالوظيفة، وأنه ولابد من القضاء على الفساد، وإعلاء قيمة ومصالح المجتمع، فالإستقواء بالوظيفة الأكاديمية، وإستغلال النفوذ لتعطيل طاقات المعهد، وإقصاء الكفاءات هو عين الفساد، وهو ما حذر منه السيد رئيس الجمهورية في خطاباته الأخيرة، فحين يغيب الضمير المهني، تتزلزل أركان العدالة المؤسسية، ويصدق في أمثال هؤلاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا وسُد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».
وفي خضم هذا المشهد القاتم، لابد وأن تبرز الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن، رئيس أكاديمية الفنون، والتي تمثل لكل من يعرفها عبر تاريخها الإداري كرمز حقيقي للإصلاح والنزاهة، ومنذ توليها مقاليد الأمور في الأكاديمية، وهي تعمل بكل جد واجتهاد، عازمة بكل قوة وعزيمة وطاقة على رفع شأن الأكاديمية ومعاهدها وشعبها، ساعية بلا توقف لحل المشكلات المتراكمة عبر السنوات الطويلة، ونعلم إن إرادتها الصلبة ترفض الفساد والظلم، وتفتح الباب أمام الأمل لتطهير المؤسسة وإعادة الاعتبار للبحث العلمي والأكاديمي الحقيقي، لذا فالأمل أن تبحث في مشاكل معهد الفنون الشعبية وأقسامه وشعبه والتي سوف نفرد لها مساحات كبيرة لكشف كم الفساد المسيطر على هذا المعهد الأكاديمي.
إن الصمت على ما يجري في شعبة الموسيقى الشعبية بالمعهد العالي للفنون الشعبية، جريمة بحق التاريخ والمستقبل معاً، إذ إن الهوية المصرية وتراثنا الموسيقي العريق لا يمكن أن يُحرسان بأيدي من يعجزون عن فك طلاسم النوتات الموسيقية، ولا يملكون سوى منطق الهيمنة والتسلط، ولا بأيدي إدارات تكتفي بالمتفرج الأبكم، فالوطن اليوم يستصرخ الضمائر الحية، ويقف بحزم أمام كل من تسول له نفسه إهدار المال العام أو العبث بالعملية التعليمية، لذا فلابد لقيادة الأكاديمية من تدخل فوري وحازم، لإجراء غربلة شاملة، ومحاسبة تقاعس عمادة ووكالة المعهد ورؤساء أقسام القسم التابع له شعبة الموسيقى الشعبية، وتحقيق عاجل في كيفية منح الدرجات العلمية والمشاريع دون أدنى كفاءة علمية، أو تدوين موسيقى حقيقي، وتطهير هذه الشعبة من براثن الإحتكار الفردي، إعلاءً لمصالح المجتمع وصونًا لتراث هذا الوطن الأبي.
