بقلم : د. محمد جمال الدين
حين يتجلى الإبداع الحقيقي، فإنه لا ينفصل عن جوهر الوجود الإنساني، بل يصبح ترتيلة في محراب العطاء المطلق والإبداع ونكران الذات، وهذا ما ينطبق مع سيرة المخرج المسرحي القدير محمد شافعي، فسيرته المهنية والإبداعية تمثل ملحمة حية لفنان آمن أن الفن رسالة وجودية، وأن خدمة الآخرين والإنسان هي الغاية القصوى التي تذوب دونها المصالح الشخصية والصحية.
بدأ مسار المبدع الحقيقي محمد شافعي من عمق المعرفة وتعدد الروافد، فقد جمع بين بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية قسم النقد والدراما، وليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، مدعوماً بدبلومات الدراسات العليا المتتالية، ودورات تخصصية في إدارة الأزمات والصحة والسلامة المهنية، وهذا التأسيس الرصين جعله قامة فكرية وفنية متفردة قادرة على الإدارة والتوجيه برؤية ثاقبة.
تنقل المخرج القدير محمد شافعي عبر مفاصل الحركة المسرحية المصرية والعربية، متربعاً على قمم إدارية وفنية رفيعة، فقد شغل منصب مدير عام لعدد هائل من المسارح العريقة مثل مسرح الحديقة الدولية، المسرح العائم الكبير والصغير، مسرح الطليعة، مسرح ميامي، مسرح بيرم التونسي وليسيه الحرية بالإسكندرية، مسرح القاهرة للعرائس، فضلاً عن مسرح حفر الباطن بالسعودية، وتولى بالإضافة إلى ذلك منصب موجه عام التربية المسرحية في مصر، والمملكة العربية السعودية، وعضوية لجان التحكيم المتعددة، كما امتد أثره الأكاديمي والمهني ليتولى التدريس في جامعة الملك عبد العزيز، تحت إشراف الراحل الأستاذ الدكتور كمال الدين عيد، وفي مدرسة الفنون للتكنولوجيا التطبيقية بأكاديمية الفنون.
لم تكن الإدارة لدي المخرج القدير محمد شافعي مجرد جلوس على مقاعد التوجيه، بل كانت عملاً ميدانياً شاقاً ومضنياً، فقد أسس وجهز مسرح الحديقة الدولية عام، وأشرف على إعادة بناء وتجهيز المسرح العائم الكبير والصغير ومسرح بيرم التونسي، وتأسيس مدرسة الفنون للتكنولوجيا التطبيقية بأكاديمية الفنون وورشها بالكامل عام، بل وتعدى ذلك إلى تأسيس بيت الضيافة بالكامل، وترميم خمسة آلاف كتاب بمكتبة المعهد العالي للفنون المسرحية، وفي الإخراج المسرحي، قدم أعمالاً بارزة مثل مسرحية “دليلة وشربات” و”ليلة القبض على شاعر الجندول”، فضلاً عن عمله كمخرج منفذ لأكثر من مائة مسرحية بجانب عمالقة الإخراج المصري كالسيد راضي، هاني مطاوع، كرم مطاوع، سعد أردش، وأشرف زكي.
إن هذا العطاء المترامي الأطراف يجسد الجانب الإنساني الفذ لشخصيته، فقد كان سنداً ومعطاءً لكل الناس، مبذولاً جهده وعرقه وصحته في سبيل إعلاء شأن المؤسسة وخدمة رسالة الفن، حتى لو جاء ذلك على حساب راحته ومصلحته الخاصة، لذا يعد المخرج القدير محمد شافعى لكل من يعرفه نموذج نادر للمبدع الذي يرى في البذل والتضحية غايته، وفي إسعاد الآخرين وتطويرهم وساماً يستحقه بجدارة.
إن سيرة المخرج القدير محمد شافعي ستظل شاهدة على أن الفن الحقيقي حالة إنسانية قبل أن يكون صناعة، وأن العطاء العظيم لا يقاس بما يكتسب، بل بما يترك في قلوب الناس وعقولهم من أثر لا يحطمه الزمن، لذلك تظل سيرته العطرة أيقونة في الإخلاص ونكران الذات، تتأملها الأجيال القادمة بعين الإجلال والتقدير.
