بقلم آدم شي جينغ
على امتداد آلاف الكيلومترات، ينسج طريق الحرير جسور المحبة والتواصل بين الشعوب. تُعد جامعة اللغات والثقافة ببكين واحدة من أبرز المنصات في الصين للتبادل اللغوي والتواصل الثقافي مع العالم. ففي رحابها، يجتمع الطلاب الوافدون من مختلف أنحاء العالم، ويقصدها الكثير من الأصدقاء الأجانب لتعلم اللغة الصينية واستكشاف عمق الثقافة الصينية. وفي الوقت نفسه، يحرص أساتذة الجامعة وطلابها على الخروج من قاعات الدراسة، وسرد قصص الصين النابضة بالحياة للعالم. وهنا يلتقي أناس من جنسيات وخلفيات ثقافية متنوعة للتعارف وتبادل المعارف والخبرات ليجسدوا مشهداً جميلاً من التفاعل بين الحضارات والتقارب بين الشعوب. واليوم، نلتقي عددا من ممثلي أساتذة الجامعة وطلابها، لنستمع إلى تجاربهم الشخصية وتأملاتهم وانطباعاتهم.
يشغل وانغ قوانغ يوان منصب أستاذ مشارك في قسم اللغة العربية بجامعة بكين للغات والثقافة، ومشرفاً على طلبة الماجستير والدكتوراه. لسنوات طويلة، كرّس جهوده لتدريس اللغة العربية والبحث في العلاقات الدولية في الشرق الأوسط والعلاقات الصينية العربية. يتمتع بخبرة واسعة في التدريس خارج الصين، إذ زار الكويت والبحرين ودولا عربية أخرى مرات عديدة، كما قدّم للأصدقاء العرب محاضرات متعددة حول الثقافة الصينية، ويُعد من الناشطين في مقدمة جهود التبادل الإنساني والثقافي بين الصين والعالم العربي بالنظر إلى تجربته الشخصية التي تمنحه فهماً عميقاً لسمات الثقافتين الصينية والعربية
وعلّق وانغ قوانغ يوان قائلاً: أعتقد أن أكثر ما يشبه الصينيين صفات العرب هو تقدير العلاقة الإنسانية والحرص على حسن الضيافة وكرم الاستقبال. نحن المصريين نؤمن بأن كثرة الأدب لا تزعج أحد، فنحرص على أن نكون متأدبين ومتفانين في التعامل مع الآخرين. والعرب كذلك يتميزون بكرم الضيافة. فأن لقاء لا بد من تبادل التحيات المطوّلة والسؤال عن أحوال الأحلى والأحبة. فالعاطفة هي الإحساس والإخلاص هو سببه. هذه العرفة والدفع الإنساني أمر فطري عند كليهما. وثم أيضا قيمة مشتركة عميقة وهي التمسك بالأسرة تمسكا راسخا احتراماً للكبير والحنون على الصغير. في المجتمعات العربية العائلة هي مركز المجتمع أساس المجتمع. الكبير يحظى بمكانة رفيعة يتقاطع تقاطعًا واضحاً مع الثقافة.
إن القيم المشتركة التي تجمع بين الجانبين تجعل الشعبين الصيني والعربي متقاربين بطبيعتهما. واليوم، دخلت التبادلات الثقافية بين الجانبين مرحلة من التفاعل المتبادل، حيث تشهد الثقافة التقليدية والثقافة الشعبية والتواصل بين الشباب نمواً شاملا، فيما تزداد أجواء التبادل الثقافي حيوية وعمقاً. وعند حديثه عن المشهد العام للتبادلات الثقافية الصينية العربية في الوقت الراهن، شارك وانغ قوانغ يوان ملاحظاته ورؤاه الخاصة.
قال الأستاذ وانغ قوانغ يوان لنا: أما الشاب الصيني عن العالم يحب الثقافة العربية، مثلًا يستمع الموسيقى العربية ويتعلم اللغة العربية ويحب زيارة البلدان العربية مثل الإمارات، السعودي، مصر وإلى آخره. فهذا التواصل الشبابي هو أساس متين لأي علاقة مستدامة بين الشعبين. الثانية التعليم يلعب دورا محوريا لتواصل الثقافة بين الصين والدول العربية، فمع توسع برامج تعليم اللغة الصينية في المدارس والجامعات العربية ومع تزايد عدد طلاب العرب في الجامعات الصينية. فهذه ستكون الشبكة الواسعة من الجسور الإنسانية. فهذه الجسور ستربط البلدين بعلاقات عامة وأرسخ. وثالثًا هو العلاقة الشعبية أو ألوف الشعبية الثقافة الشعبية باتت قوية جداً للتقارب
لسنوات طويلة، شارك وانغ قوانغ يوان بشكل عميق في العديد من مشروعات التعاون التعليمي الدولي. وفي عام 2024، تولّى تدريس الثقافة الصينية والتواصل بين الثقافات ضمن مشروع تعاون تعليمي بين الصين والمملكة العربية السعودية، موجهاً نحو مئة معلم سعودي قدموا إلى الصين. وقد تركت تلك التجربة التعليمية الخاصة أثراً عميقاً لا يُمحى من ذاكرته.
وقال الأستاذ وانغ قوانغ يوان مسترجعاً ذكرياته: وكنت أقوم بتدريسهم مادة الثقافة الصينية والتواصل بين الثقافات. صراحة كنت أشعر ببعض التوتر. لأن المادة ليست سهلة. المهمة صعبة. ولكن ما إن دخلت القاعة حتى استقبلني مائة المعلم والمعلمة السعودية حولاء المعلمون بالدفع الحقيقي وابتسامات صادقة. فتبدد توتر في الحال، وانطلقنا معا في رحلة ثقافية صينية ممتعة. لا أنساها. وتعلم فقد كانت نسبة حضور طوال الفصل الدراسي شبه الكاملة. وحتى في حالة المرض أو الظروف الضارية كانوا يقدمون اعتذارًا مسبقًا.
لا يقتصر دور وانغ قوانغ يوان في تدريسه على شرح المعارف الثقافية الأساسية فحسب، بل يعمل أيضاً على تتبّع الروابط التاريخية الممتدة بين الحضارتين الصينية والعربية عبر طريق الحرير، كما يربط بين العادات التقليدية والتطورات الحديثة ليقدّم للمتعلمين في الخارج صورةً حية وغنية ومتعددة الأبعاد عن الصين.
وفي هذا السياق، يشرح قائلاً:
يبدون فضولا واسعا تجاه التكنولوجيا الصينية الحديث، من الدفع الالكتروني عبر الجوال، والقطارات فايقة السرعة، وتسوق رقمي، ومنصة فيديو القصير. فكانوا يستقربون كيف وصلت الصين إلى كل هذا بهذه السرعة؟ باسمي إلي فكنت عادة أبدع بالحديث من نقطة التلاق التاريخي بين الحضارتين، عندما كنت أدرس اللغة الصينية، ألقي محاضرة للشباب السعوديين.
بالاستفادة من الفرص الواعدة التي توفرها مبادرة “الحزام والطريق”، واصلت الصين والدول العربية تعميق التعاون في مجالات التجارة والسياحة والتنقل عبر الحدود، فيما أصبحت التبادلات الشعبية أكثر سهولة ويسراً، كما يشهد الإقبال على تعلم اللغة الصينية نمواً متزايداً في العالم العربي. وفيما يتعلق بآفاق التبادل الثقافي الصيني العربي، يعبّر وانغ قوانغ يوان عن تفاؤله الكبير بالمستقبل.
وقال الأستاذ وانغ قوانغ يوان بصراحة: صراحة التعاون بين الصين والعرب تحت إطار مبادرة الحزام والطريق واسع ومثمر. وهناك تغيرات حقيقية وملموسة، وهي في صميم حياتنا اليومية. أبرزها هو انفتاح التبادل التجاري في اليوم باتت منتجات كالتمور والزيتون والعطور العربية حاضرة بشكل متزايد في المتاجر الصينية ومنصات التجارة الالكترونية. وفي المقابلة تنتشر الهواتف والأجهزة الكهربائية والملابس والسلع الصينية في أرجان العالم العربي. يستحضى الصنعي الصيني المنتجات الصينية بثقة عالمية لجودتها وقيمتها المتميزة. وكذلك أصبح السفر بين بلدين أسهل من مكان. فمع توسع الاتفاقيات لإعفاء من التأشيرات بين الصين ودول العربية باتت الوصول إلى دبي وإلى الإمارات والمغرب والسعودية وإلى آخره في متناول الجميع. فالأجمل من ذلك أن كثير من المعالم السياحية والفنادق والمراكز التجارية في هذه الدول باتت تعتمد الإرشادات بالصينية. وكثير من المرشدين السياحية وتجار العرب يجدون البعض يتكلمون بعض العبارات الصينية. فهذا يمنح الزائر الصيني إحساسا دافعا بالترحيب. ومن أبرز ما يلفت النظر أيضا هو الموجه لقبال على الصينية اللغة الصينية في العالم العربي. فكثير من المدارس والجامعات في السعودية والإمارات ومصر فتحت أبوابها لتعليم اللغة الصينية. وازداد عدد الشباب الذين يتعلمونها ويرونها أو يعتقد أنها لغة المستقبل.
يتخذ المعلمون من المحاضرات كجسر يربط بين الحضارتين العظيمتين: الصينية والعربية. وفي جامعة بكين للغات والثقافة، يواصل العديد من الشباب العرب رحلتهم الدراسية في الصين حيث يجمعون بين التحصيل العلمي والتعرّف العميق على الثقافة الصينية واكتشاف ملامحها الفريدة. وتُعد مسابقة “جسر اللغة الصينية” واحدة من أبرز المسابقات العالمية باللغة الصينية، وتهدف إلى توفير منصة لمتعلمي اللغة الصينية لإبراز مهاراتهم اللغوية وتبادل تجاربهم الثقافية. أما باي تشونغ مين، واسمه العربي يوسف علي، فقد وصل إلى الصين لأول مرة عام 2016، حيث حصل على درجة الماجستير في الترجمة الفورية من جامعة بكين للغات والثقافة ويواصل حالياً دراسته لنيل الدكتوراه ضمن برنامج مشترك بين جامعة قناة السويس في مصر وجامعة بكين للغات والثقافة، متخصّصاً في الترجمة الصينية العربية وترجمة الأدب الساخر الصيني. قبل التحاقه بمرحلة الدراسات العليا في الصين، كان متفوقا بفضل إتقانه القوي للغة الصينية. ففي عام 2018، مثّل جامعة قناة السويس في التصفيات الإقليمية المصرية للدورة السابعة عشرة من مسابقة “جسر اللغة الصينية” وفاز بالجائزة الأولى واحتل المركز الثالث في الترتيب العام، مما أهّله للحصول على فرصة السفر إلى الصين وحضور النهائيات العالمية. ويستعرض رحلته الأكاديمية بأسلوب هادئ ومعبّر.
روى لنا باي تشونغ مين:في الواقع عندما بدأت دراسة اللغة الصينية كانت في عام 2013 في مصر في جامعة كونسويس. ثم حصلت على منحة دراسية عن طريق معهد كونفوشيوس لمدة سنة في جامعة تشجيانغ في مدينة هانغتشو. ومكثت في مدينة هانغتشو لمدة سنة. ومن ثم بعد ذلك عدت إلى مصر. وقضيت سنة وتخرجت من الجامعة. وحصلت على درجة اللسانس في الأدب والعلوم الإنسانية للغة الصينية. ومن ثم مباشرة جئت إلى جامعة بكين للغات والثقافة لدراسة درجة الماجستير في تخصص الترجمة الفورية بين اللغة العربية والصينية. وتخرجت عام 2020 ومن ثم…
تنقّل باي تشونغ مين خلال دراسته بين الصين ومصر؛ وخلال جائحة كوفيد-19، عاد مؤقتاً إلى مصر، حيث عمل عن بُعد مع شركات محلية عبر الإنترنت. ومع استئناف دراسته، تفرغ بشكل كامل لأبحاث الدكتوراه، وقضى فترات طويلة في جامعة بكين للغات والثقافة لجمع المواد العلمية وكتابة أطروحته. وانطلاقاً من خبرته الطويلة في مجال الترجمة، تطرّق أيضاً إلى أبرز التحديات التي تواجه الترجمة الأدبية.
قال باي تشونغ مين مستذكراً تجاربه السابقة: بسبب جائحة كورونا عدت إلى مصر في ذلك الوقت. وقضيت سنتين أعمل أونلاين عبر الإنترنت مع شركات صينية. ومن ثم في عام 2022 بدأت دراسة الدكتوراه في جامعة كونسويس. في السنة الأولى كان لدي المحاضرات. ومن السنة الثانية بدأت في عمل اختيار الموضوع الرسالة. وفي السنة الثالثة والرابعة جئت إلى جامعة بكين للغات للتعامل مع الدكتوراه وجمع المواد العلمية وكتابة رسالة الدكتوراه هنا. أعتقد في ترجمة الأدب الساخر أو الأدب الفكاهة أو الكوميدي للغات الأخرى من اللغة الصينية للغات الأخرى، وخاصة اللغة العربية أمر بالغ الصعوبة. وذلك يكمن لأن أنواع السخرية متعددة، فمنها السخرية التهكمية، والسخرية المفارقة، والتورية السخرية، والدعابة السخرية وأنواع أخرى كثيرة. ويكمن على سبيل المثال في السخرية التورية عندما نأتي بيكون الكاتب في النص الأصلي النص الصيني يكتب معنى الماء كلمة الماء، وهذه الكلمة…
بعد سنوات من الإقامة في الصين، اندمجت العادات الغذائية ونمط الحياة المحلي تدريجياً في حياته اليومية، حيث ساهمت هذه البيئة تدريجياً في تشكيل نظرته للعالم وسلوكه لتتحول تفاصيل حياته في الغربة إلى تجارب ثمينة شكّلت جزءاً مهماً من مسيرته في التطور والنمو الشخصي.
وقال باي تشونغ مين منطلقاً من تجربته: مثلاً على سبيل المثال الطعام بالطبع أنا أصبحت أكل الطعام الصيني وأشتاق إليه عندما أكون في مصر أو في دول أخرى. وطبعاً أحببت أيضاً يمكن القول أن تغير لدي بعض الأنماط في طريقة ارتدائي لملابسي. والشخصية كذلك، أعتقد أن كثيرا تغير في الشخصية مثل أصبحت صارما أكثر. ليس صارما بالمعنى الجدي الذي ينفر الناس عني. لا. أقصد في العمل على وجه الخصوص في العمل والالتزام. وأصبحت أحب الضغوطات الصينيون يمتازون ويمكننا أن نكون يمتازون بالضغوطات. هذا الشيء يدفعك للأمام يدفعك للتطور والتقدم وإيجاد نسخة أفضل من نفسك في هذا العالم. فإذا تمكنت من فعل ذلك فسوف تتمكن من النهوض بنفسك ومن التحول إلى شخصية أفضل. وبالطبع ستفيد العالم وستكون كمثل لبنة بناء في هذا المجتمع المتطور ومتسارع في التطوير.
ما زالت الطرائف الجميلة التي عاشها عند وصوله الأول إلى الصين، والذكريات الرائعة لرحلاته في مختلف أنحاء البلاد، حاضرةً في ذاكرته بعمق. أما بالنسبة لمستقبله بعد التخرج، فهو يضع أهدافاً واضحة وثابتة آملاً في مواصلة حياته في الصين، والعمل في نشر اللغة والثقافة.
قال باي تشونغ مين مبتسماً :يواجه الأجانب وواجهته أنا أيضاً في الصين هو استخدام عصيان الأكل الكوايزي. استخدام عصيان الأكل هي طريقة لم نعتاد عليها فنحن العرب ما نأكل بالمعلقة ونأكل كذلك بعض الطعام بأيدينا. ولكن استخدام عصيان الأكل الصينية هذا أمر كان صعبا. ولكن بمساعدة الأصدقاء وزملاء الصينيين وبعض أصدقاء الأجانب أيضا الذين جاءوا الصين من قبل مجيئي ساعدوني في ذلك. فأعتقد هذا الأمر كان في غاية الجمال وذكرات لا تنسى. وعندما تعلمت ذلك أصبحت أساعد الجدد وأقول لهم إنهم تعتادوا الأكل بعصيان الأكل الصينية. فلن تعتادوا على المعيشة في الصين فهذا أمر لا بد منه. وعندما اعتادوا بالفعل شعروا بجمال الحياة في الصين. فلا يمكن لأي إنسان أن ينسى حبه الأول. فمدينة هانغتشو هي حبي الأول. لذلك أعتقد أن إذا قررت زي الاختيار اللي معيشة في الصين واختيار مدينة، ومواكبة كافة الظروف والأمور، فأعتقد مدينة هانغتشو ستكون هي المكان الأمثل بالنسبة لي.
على غرار باي تشونغ مين، يُعدّ هان سن، واسمه الأجنبي كاظم حازم حسن العبيدي، طالباً في تخصص دراسات الدول والمناطق بجامعة بكين للغات والثقافة. وقد نشأ لديه ارتباط وثيق بالصين منذ طفولته، إذ أن زوجة والده صينية، وكان يتنقّل باستمرار بين البلدين، وهو ما شكّل علاقة خاصة قادته في نهاية المطاف إلى اختيار مواصلة دراسته الأكاديمية في الجامعة الصينية بشكل منهجي. وعند حديثه عن رحلته مع الصين، فتح هان سن قلبه مستعيداً تجربته.
تحدّث إلينا هان سن قائلاً: في الواقع كون زوجة والدي صينية جعلني منذ الطفولة أزور الصين كل عام تقريبا خلال العطلة. ولذلك تعرفت على المجتمع والثقافة الصينية في سن مبكر للغاية. هذه التجربة الخاصة جعلت إحساسي تجاه الصين مختلفة قليلا على الكثير من طلاب الاجانب الذي يأتون الى هنا للمرة الأولى في المرحلة الجامعية. بالنسبة إلي، لم تكن الصين بلدا غريبا بالكامل، بل مكانا أشعر فيه بدرجة من الآلاف والانتماء إليها. كنت قد تعرفت مسبقا على بعض العادات الاجتماعية وأسلوب الحياة والتعاون الاجتماعي. كما بدأت كما بدأت في تعلم اللغة الصينية قبل الدراسة الجامعية وخصوصا اللغة الاستماعية الصينية. لأنه التكلم الصيني كان في سن مبكر قوي للغاية وأمر ليس سهلا. لم أشعر بالصدمة عندما جئت للصين لم أشعر في صدمة ثقافية كبيرة.
لقد منحت سنوات التنقل المستمر بين الصين والعراق هان سن فهماً واضحاً للقواسم المشتركة بين الثقافتين؛ إذ تُسهم التقاليد التي تُعلي من شأن الأسرة، وتراعي قواعد اللياقة والآداب الاجتماعية، وتُرسّخ قيم الضيافة، في خلق علاقة تتسم بانسجام لافت بين شعبي البلدين. وفي حين كانت زياراته إبان طفولته مقتصرة على السياحة، أتاحت له دراساته الأكاديمية والمهنية الحالية فهماً أعمق للصين وأبعادها المختلفة.
وتحدث هان سن قائلاً: من خلال تجربة الشخصية أرى أنه هناك بالفعل، تشابه واضح بين الثقافة الصينية والثقافة العراقية. خاصة فيما يتعلق بقيم الأسر والعلاقات الاجتماعية. في كلتا الثقافتين تحظى العائلة بمكانة مركزية في حياة الفرد الشخص الواحد. وينظر إلى الروابط العائلية باعتبارها أساسا للاستقرار الاجتماعي. كذلك يولي المجتمعات أهمية كبيرة للاحترام الكبار وتقديم خبرتهم ومكانتهم. في العراق كما كان في الصين، من الطبيعي أن يظهروا الأبناء احتراما كبيرا للوالدين وللأجداد. وأن يكون التقاليد العائلية دورا مهما في توجيه السلوك الاجتماعية. إضافة إلى ذلك نقدر أن نقول نجد تشابها في قيم الكرم وحسن الضيافة. فكل من الشعبين العراقي والصيني يعتز كثيرا باستقبال الضيوف وإظهار الاحترام لهم وحسن المعاملة. وفي رأيي هذا هذه القيم المشتركة تجعلني أشعر أحيانا أن المسافة الثقافية بين البلدين ليست بعيدة، كما قد يظن العديد من الناس.
رغم معرفته المبكرة باللغة والثقافة الصينية، الا ان المصطلحات الأكاديمية المعقّدة واختلاف أساليب التدريس شكّلا تحدياً له عند بدء دراسته الجامعية المتخصصة. ومع ذلك، حافظ هان سن على عقلية إيجابية، وسعى باستمرار إلى تجاوز الصعوبات وتطوير نفسه، ما أتاح له تحقيق نمو شامل على مختلف المستويات.
صرّح هان سن قائلاً بصراحة :بالطبع كان لدي الكثير من المواقف التي شعرت بها بأنها صعبة للغاية. مثل أي طالب دولي واجهت بعض التحديات خلال فترة الدراسة في الصين. من 2014 لحد اليوم كان التحدي الأكبر في البداية مرتبطا باللغة. فحتى بعد الدراسة الصينية لفترة من الوقت، يبقى استخدام اللغة في البيئة الأكاديمية أكثر تعقيدا. خاصة عند قراءة النصوص المتخصصة أو المشاركة في النقاشات الصفية التي دائما كانت المعلمة أو المعلم، يجعلونني أن أناقش مع الطلاب الموجودين. كذلك واجهت بعض الصعوبات في التكيف مع أساليب الدراسة المختلفة، مقارنة بما كنت معتادا عليها. لكن مع مرور الوقت تمكنتم من التغلب عن هذه التحديات من خلال الممارسات المستمرة. والتواصل مع الأستاذة والأستاذ والزملاء وبذل جهد أكبر في القراءة والبحث. كما ساعدني الاحتكاك اليومي بالمجتمع الصيني، على تحسين مهاراتي اللغوية وفهمي للثقافة كصورة عامة بشكل تدريجي وبشكل واضح جدا.
وبحكم تنقّله بين الصين والعراق، أدرك هان سن أن التصورات الخارجية عن الصين كثيراً ما تكون أحادية الجانب. ولذلك، قرر أن يحول تجربته الشخصية إلى نافذةً يعرّف من خلالها أهله وأصدقاءه في على حقيقة الصين، كما سعى إلى بناء منصات للتبادل لتعزيز التواصل بين شباب البلدين.
أعرب هان سن عن تطلعاته الكبيرة قائلاً: آمل أن أكون قادرا على النقر الصورة واقعية ومتوازنة عن الصين إلى عائلتي وأصدقائي والمجتمع من حولي. كثير من الناس في العالم العربي يتعرفون على الصين من خلال وسائل إعلام فقط. لذلك أعتقد إن تجربة العيش والدراسة هنا شخصيا تمنحني فرصة لتقديم رؤية أكثر دقاً وعمقاً. بالتأكيد أود أن أساهم في بناء جسور تواصل بين الشباب في البلدين، لأن التفاهم الحقيقي بين الشعوب يبدأ غالباً من التبادل الثقافي والإنساني المباشر. كما أنه وجهاً لوجه. دراسة هي أهم نقطة إلي في حياتي الآن. ولكن في المستقبل أود أن أبني شيء كبير هنا في الصين. ولكن لحد الآن أحتاج معلومات أكثر يمكن عن المجتمع الصيني وكيف بناء هذه البنات تحتية لي خاصة. وهذا الشيء أنا مستعد لقضاء عدة سنين لأفتهمه وأجدد نفسي وكذلك. وهو شيء أنا محظوظا للغاية. وهذه فرصة رهيبة جدا فأنا سعيدا للغاية الآن.
كرّس وانغ قوانغ يوان جهوده وخبرته الأكاديمية لتعزيز التبادل الثقافي بين الصين والعالم العربي. وكرّس باي تشونغ مين جهوده للترجمة، مستخدماً الكلمة المكتوبة لبناء جسور التواصل بين الحضارات، كما برزت قدراته في اللغة الصينية في مسابقة جسر اللغة الصينية. أما هان سن، فركّز على دراساته الأكاديمية، ناقلاً قصصاً حقيقية عن الصين من خلال تجاربه الشخصية. وفي رحاب جامعة بكين للغات والثقافة، التي تتسم بالانفتاح والتنوع، يعيش الأساتذة والطلاب الصينيون والأجانب في تفاعل يومي يسوده الاحترام والتفاهم؛ فاللغة تتجاوز الجغرافيا فيما تلامس الثقافة القلوب وتمنحها الدفء. ومن قاعات الدراسة إلى تفاصيل الحياة اليومية، ومن الترجمة إلى تبادل الأفكار، يواصل الجميع – كلٌّ بطريقته – نقل الثقافة وبناء جسور الصداقة.
