بقلم الإعلامي خالد سالم
لم يعد الزلزال مجرد هزة أرضية نشعر بها تحت أقدامنا، بل أصبح رسالة تصل إلى جيبك قبل أن تدركها حواسك. فمع التطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية، تحولت أجهزة الهاتف من وسيلة للاتصال إلى أدوات متقدمة لرصد الكوارث الطبيعية والإنذار المبكر.
الزلزال الذي شعر به المصريون أمس أعاد إلى الأذهان سؤالًا مهمًا: كيف عرف بعض الأشخاص بوقوع الهزة قبل غيرهم؟ ولماذا تلقى البعض إشعارات تحذيرية على هواتفهم بينما لم يتلقها آخرون؟
الإجابة تكمن في نظام ذكي طورته شركة جوجل يُعرف باسم Android Earthquake Alerts System. ويعتمد هذا النظام على فكرة عبقرية؛ فملايين هواتف أندرويد المنتشرة حول العالم تحتوي على مستشعرات دقيقة للحركة (Accelerometer)، تستطيع رصد الاهتزازات غير الطبيعية. وعندما تلتقط آلاف الهواتف في منطقة واحدة الاهتزاز نفسه في اللحظة نفسها، تُرسل البيانات إلى خوادم جوجل، حيث تتم مقارنتها ببيانات محطات رصد الزلازل الرسمية.
إذا تأكد النظام من وجود زلزال، يرسل تنبيهًا فوريًا إلى المستخدمين الموجودين في المناطق المتوقع أن تتأثر بالهزة، وأحيانًا قبل وصول الموجات الزلزالية الأقوى بثوانٍ معدودة. قد تبدو هذه الثواني قليلة، لكنها كافية لإنقاذ الأرواح؛ إذ تمنح الناس فرصة للابتعاد عن النوافذ، أو إيقاف المصاعد، أو الاحتماء في مكان آمن.
لقد أصبح الهاتف المحمول، الذي نحمله في جيوبنا طوال الوقت، جزءًا من أكبر شبكة لرصد الزلازل في العالم. ملايين الأجهزة تعمل معًا دون أن يشعر أصحابها، لتكوين منظومة إنذار مبكر تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة.
لكن هذه التقنية تطرح سؤالًا آخر: هل نحن مستعدون للاستفادة منها؟ فالكثير من المستخدمين يعطلون خدمات الموقع أو الإشعارات، أو يستخدمون هواتف قديمة لا تدعم هذه المزايا، فيفقدون فرصة الحصول على التحذير المبكر.
إن المستقبل يتجه نحو أن يصبح الهاتف الشخصي حارسًا رقميًا يحذرنا من الزلازل والفيضانات والعواصف، وربما من أخطار أخرى قبل وقوعها. ولم يعد الذكاء الاصطناعي رفاهية تقنية، بل أصبح شريكًا في حماية الإنسان.
لقد أثبت زلزال الأمس أن التكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة للترفيه والتواصل، بل أصبحت وسيلة لإنقاذ الحياة. وربما لم يعد السؤال: هل سيحدث الزلزال؟ بل أصبح: هل سيكون هاتفك مستعدًا لإخبارك قبل أن تشعر به؟
وهكذا، لم يعد الزلزال تحت أقدامنا فقط… بل أصبح أيضًا في جيوبنا.
