بقلم الإعلامي خالد سالم
لم تعد خسائر الإعلام المصري مجرد أرقام تُسجل في الميزانيات السنوية، بل أصبحت مؤشرًا خطيرًا يستدعي وقفة وطنية جادة لإنقاذ واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة المصرية.
لقد كشفت التقارير المالية عن واقع يفرض نفسه بقوة؛ إذ استحوذت القنوات الإعلامية التابعة للشركة المتحدة على النصيب الأكبر من المديونيات المستحقة لمدينة الإنتاج الإعلامي، حيث بلغت مديونية قنوات ON نحو 79.3 مليون جنيه، وقنوات CBC نحو 77.2 مليون جنيه، وقنوات DMC نحو 73.2 مليون جنيه، بينما بلغت مديونية قنوات الحياة حوالي 56.2 مليون جنيه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد حذر الجهاز المركزي للمحاسبات من تركز جانب كبير من هذه الديون لدى جهة واحدة، لما لذلك من تأثير مباشر على قدرة مدينة الإنتاج الإعلامي على تحصيل مستحقاتها واستمرارها في أداء دورها الاقتصادي والإنتاجي.
أما المشهد الأكثر إيلامًا فهو ما تعانيه الهيئة الوطنية للإعلام (ماسبيرو)، التي سجلت خسائر متراكمة بلغت نحو 119.9 مليار جنيه، بينما وصلت خسائر عام مالي واحد إلى 14.6 مليار جنيه، وهو رقم يمثل ما يقرب من 44.9% من إجمالي خسائر الهيئات الاقتصادية في الدولة. وهي أرقام تعكس أزمة ممتدة تراكمت عبر سنوات نتيجة فوائد الديون، وتراجع سوق الإعلان، وارتفاع تكاليف التشغيل، وعدم مواكبة التطورات المتسارعة في صناعة الإعلام الرقمي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل الأزمة مالية فقط؟
الإجابة بالتأكيد لا.
فالأزمة الحقيقية تكمن في غياب الرؤية الاقتصادية الحديثة لإدارة المؤسسات الإعلامية، وفي الاعتماد على الأساليب التقليدية في الإنتاج والتسويق، بينما انتقلت المنافسة إلى المنصات الرقمية التي استطاعت جذب المشاهد والإعلان في آن واحد.
إن الإعلام اليوم لم يعد شاشة تليفزيون فقط، بل أصبح منصة رقمية، وتطبيقًا ذكيًا، ومحتوى يُشاهد في أي وقت ومن أي مكان. ومن لا يواكب هذا التحول، يخرج من دائرة المنافسة مهما كان تاريخه.
طريق الإنقاذ
إن إنقاذ الإعلام المصري يبدأ بخطة إصلاح شاملة تقوم على عدة محاور:
إعادة هيكلة الديون وجدولتها بما يخفف الضغوط المالية.
وضع استراتيجية احترافية لتنمية الإيرادات الإعلانية واستقطاب الرعاة.
التوسع في إنتاج المحتوى الرقمي والمنصات الإلكترونية المدفوعة.
استثمار الأصول غير المستغلة في ماسبيرو ومدينة الإنتاج الإعلامي لتحقيق عوائد مستدامة.
ترشيد الإنفاق الإداري والتشغيلي دون التأثير على جودة المحتوى.
تشجيع الإنتاج المشترك مع القطاع الخاص والمستثمرين العرب.
إعادة تأهيل الكوادر الإعلامية لمواكبة التطور التقني والذكاء الاصطناعي.
إنتاج أعمال درامية ووثائقية وبرامج قادرة على المنافسة عربيًا ودوليًا.
منح المؤسسات الإعلامية مرونة أكبر في اتخاذ القرارات الاقتصادية والاستثمارية.
إعادة بناء ثقة الجمهور، لأن المشاهد هو رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية.
إن الإعلام المصري يمتلك تاريخًا لا ينافسه فيه أحد، ويمتلك كوادر صنعت مجد الإعلام العربي لعقود طويلة. وما يحتاجه اليوم ليس مجرد تمويل جديد، بل إدارة حديثة، ورؤية اقتصادية، وإرادة حقيقية للإصلاح.
لقد آن الأوان لأن ننظر إلى الإعلام باعتباره استثمارًا وطنيًا، لا عبئًا ماليًا، وأن نؤمن بأن كل جنيه يُنفق على إعلام قوي وواعٍ هو استثمار في الأمن القومي، والثقافة، والهوية المصرية.
إن خسائر اليوم يمكن أن تتحول إلى أرباح الغد، إذا أحسنّا إدارة الإمكانات، واستثمرنا الخبرات، ووضعنا مصلحة الإعلام المصري فوق كل اعتبار.
فالإعلام القوي ليس رفاهية… بل ضرورة وطنية.
