بقلم آدم شي جينغ
تُعد مدينة ييوو مركزاً عالمياً مشهوراً لتجارة السلع الصغيرة يستقطب على مدار العام الزوار والمقيمين من مختلف أنحاء العالم. وقد أسهم تزايد التبادل عبر الحدود في زيادة الطلب على الخدمات الطبية الدولية. هنا يقع المستشفى الرابع التابع لكلية الطب بجامعة تشجيانغ، وهو مستشفى عام شامل من الدرجة الثالثة يتبع مباشرة لجامعة تشجيانغ، ويُعد من أقوى المؤسسات الطبية في المنطقة حيث يستقبل أكبر عدد من المرضى الأجانب في المقاطعة. وفي هذا المستشفى، كرّس الطبيب اليمني عمار نحو ثلاثين عاماً من عمله حيث مكّنه تميّزه المهني، وشخصيته الودودة، وقدرته على التحدث بعدة لغات، من كسب ثقة المرضى الصينيين والأجانب، ليصبح جسراً دافئا للتواصل بين الجانبين.
بدأت علاقة عمار بالصين منذ سنوات شبابه، حين تركت فرق الإغاثة الطبية الصينية في موطنه اليمن أثراً عميقاً بإسهامها في إنقاذ الأرواح وعلاج المرضى، ما زرع فيه رغبة قوية في السفر إلى الصين لدراسة وممارسة الطب فانطلق مدفوعاً بشعوره بالامتنان وطموحه الكبير لخوض رحلة طويلة ليبدأ مسيرته في الصين سعياً وراء حلمه.
وقال الدكتور عمار، معبّراً عن امتنانه:
تعود قصة مجيء الصين إلى طفولتي. كما يعلم الجميع، هناك فرق طبية، فرق مساعدات طبية صينية متواجدة في كثير من دول العالم. وبالطبع اليمن هي أحد هذه الدول. عندما كنت طفلا صغيرا، في الثالثة عشر من عمري تقريبا، كان والدي قد تعرض لوعكة صحية وطلب مني أن نذهب إلى المستشفى الذي تتواجد فيه الفرقة الطبية الصينية. ومنذ ذلك الحين تركت هذه الفرقة الطبية الصينية بصماتها، وشعرت بالامتنان الكبير مثلي مثل بقية اليمنيين. وعندما تفوقت في الثانوية العامة وحصلت على فرصة للدراسة في الخارج، لم أتردد حينها في أن أذهب إلى الصين وأن تكون هي وجهتي بعد الثانوية العامة لدراسة الطب في الصين. كنت متعلقا بذكريات الطفولة ذكريات الفرقة الطبية الصينية التي عالجت والدي وعالجت الكثير من اليمنيين، ثم درست الطب في الصين، واخترت أخيرا البقاء هنا لممارسة هذه المهنة. أرغب في نقل هذا الخير من خلال مهاراتي الطبية
في عام 1997، وعندما كان في الثامنة عشرة من عمره، وصل عمار إلى الصين لمتابعة دراسته حيث اجتهد كثيراً في مختلف المراحل، بدءاً من الدراسة التحضيرية للغة، مروراً بدراسة الطب في الجامعة، وصولاً إلى حصوله على درجة الدكتوراه في الطب من جامعة تشجيانغ. ومنذ وصوله، واجه تحديات من بينها حاجز اللغة والاختلافات الثقافية والبيئة الدراسية غير المألوفة. ومع ذلك، شقّ عمار طريقه بإصرار ليتمكن بمساعدة أساتذته وزملائه من تجاوز هذه الصعوبات، حيث لم يكتفِ بإتقان اللغة الصينية فحسب، بل تعمّق أيضاً في فهم الثقافة الصينية، حتى أصبح يُعرف في محيطه بأنه متمكّن من شؤون الصين.
قال الدكتور عمار بهدوء وتأمل:
أتذكر عندما جئت إلى الصين في بادئ البدء كنت أعاني من مشكلة التواصل، وبالطبع هي المشكلة التي يواجهها كل الأجانب فيما يتعلق باللغة والثقافة الصينية. لكنني مع المتابعة ومع إرشاد الكثير من الزملاء والأصدقاء الصينيين، استطعت خلال فترة تعتبر قياسية نسبيا من التحصيل والتفوق في مجال اللغة والثقافة الصينية. وبالتالي مكنني ذلك من تعلم الطب بالشكل الجيد والحصول على المعلومات الطبية التي ساعدتني لاحقا في التمكن من مهنتي
منذ مجيئي للصين وحتى الآن هذه تسعة وعشرون سنة، نحن نوشك على ثلاثين سنة من الدراسة ثم الاستقرار في الصين. الصين بلد متسامح، والشعب الصيني شعب يتقبل الآخرين ويستوعب الثقافات الأخرى. لقد استوعبت مزايا ثقافتي البلدين، ثقافة بلادنا اليمن والدول العربية، وكذلك ثقافة الشعب الصيني، الشعب الذي يبتسم كما قلنا بالود والتسامح. وهناك زالت كل الفوارق. لم أعد أشعر بأنني غريب في هذا المكان. أصبحت الصين بلدي الثاني
في عام 2017، انضم عمار رسمياً إلى المستشفى الرابع التابع لكلية الطب بجامعة تشجيانغ، ليصبح أول طبيب أجنبي في ييوو. ورغم أن تخصصه الأصلي كان جراحة الأعصاب، إلا انه انتقل لاحقاً إلى الطب العام ليعمل في العيادة الدولية بالمستشفى. وبفضل إتقانه للعربية والإنجليزية والصينية، ومعرفته الجيدة باختلاف عادات المرضى في تلقي العلاج، إلى جانب شخصيته المرحة والودودة، نجح سريعاً في كسب ثقة عدد كبير من المرضى. ويُعد استقطاب هذه الكفاءات الطبية الأجنبية خطوة مهمة ضمن جهود المستشفى لتطوير خدماته الدولية، بما يتماشى مع خصائص المدينة واحتياجاتها.
قالت تشو وي، نائبة رئيس المستشفى الرابع التابع لجامعة تشجيانغ موضحة:
“قمنا بتعيين الدكتور عمار اليمني، لتلبية احتياجات الرعاية الصحية للوافدين في مدينة ييوو ذات الطابع الدولي، ولدعم توجهات المستشفى نحو تعزيز انفتاحه الدولي. وبفضل إتقانه للعربية والإنجليزية والصينية، يقدم الدكتور عمار خدماته للوافدين والمقيمين في ييوو أو الذين يمارسون الأعمال التجارية ولا سيما القادمين من الدول العربية. كما تُسهم خلفيته الثقافية المتنوعة في بناء جسر التبادلات الطبية بين الصين والدول الأجنبية، مما يعزز قدرة المستشفى على تقديم خدمات طبية دولية أكثر كفاءة وملاءمة.”
بعد بدء عمله رسمياً، كرّس عمار نفسه للعمل في الخدمات الطبية الدولية، ليتميز سريعا بفضل أساسه الطبي المتين وكفاءته المهنية. وبفضل تخصصه في الطب العام، نجح في التعامل مع مختلف الحالات المرضية اليومية، إضافة إلى الحالات الطارئة والمعقدة بهدوء وكفاءة عالية.
أكدت تشو وي، نائبة رئيس المستشفى الرابع التابع لجامعة تشجيانغ:
“لقد قدّم الدكتور عمار منذ انضمامه إلى مستشفانا إسهامات ملموسة في خدماتنا الطبية الدولية. وكحائز على درجة الدكتوراه في الطب من جامعة تشجيانغ، فإنه يتمتع بأساس متين في الطب العام؛ إذ لا يقتصر دوره على تقديم الاستشارات الطبية اليومية بدقة عالية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى التشخيص الدقيق للحالات الحرجة والحادة، وتسهيل إحالة المرضى الأجانب إلى الأطباء المختصين في الوقت المناسب، فضلاً عن نجاحه في علاج العديد من الحالات. وبفضل خبرته المهنية ومهاراته اللغوية، حظي الدكتور عمار بتقدير واسع من المرضى الأجانب، وعزّز سمعة المستشفى في مجال الخدمات الطبية الدولية؛ كما أسهم في تطوير أداء الفريق وتحديث الممارسات السريرية، وفتح قناة فعّالة للتبادل الطبي بين مستشفانا ومنطقة الشرق الأوسط.”
حظيت الخدمات المتميزة التي يقدمها عمار بثقة المرضى، ومن بينهم إيمانويل، وهو رجل أعمال من رواندا يقيم في ييوو الذي بدأ تلقي العلاج في المستشفى منذ عام 2024، حيث تولى الدكتور عمار متابعة وعلاج حالة تجلط الأوردة العميقة التي لطالما عانى منها.
قال إيمانويل، وهو رجل أعمال من رواندا يقيم في ييوو بصدق:
“التقيت بالدكتور عمار، إنه طبيب ممتاز، يعرف جيداً كيفية علاج المرضى والعناية بهم. في كل مرة أزور فيها العيادة، يستقبلني في الموعد المحدد، ويعاملني بلطف كبير، كما أن الأدوية التي يصفها تكون مناسبة تماماً لحالتي. أعاني من تجلط الأوردة العميقة وأحتاج متابعة دورية، وقد واصل الدكتور عمار دائماً متابعة حالتي ومراقبة مع تطور تعافيي. والآن تتحسن حالتي الصحية تدريجياً، وأنا أثق به كثيراً، إنه شخص جيد جداً. ”
بفضل كفاءته المهنية وأسلوبه الإنساني في الرعاية، اكتسب عمار سمعة طيبة بين المرضى، مما أدى إلى تزايد إقبال الوافدين والسكان المحليين على خدماته الطبية. كما يواصل زملاؤه الذين يعملون معه عن قرب متابعة مسيرته المهنية وتفانيه المستمر على مدار السنين. وفي هذا السياق، تعمل يانغ تيان، نائبة مدير قسم الطب الدولي في المستشفى الرابع التابع لكلية الطب بجامعة تشجيانغ، مع عمار منذ سنوات عديدة، وتحدثت عن زميلها بتقدير كبير.
قالت يانغ تيان، نائبة مدير قسم الطب الدولي في المستشفى الرابع التابع لجامعة تشجيانغ، بتقدير واضح:
“يُعدّ الدكتور عمار أحد أعضاء قسم الطب العام لدينا، وفي نظر زملائه، هو طبيب يتمتع بأخلاق رفيعة وثقافة عالية ومعرفة عميقة بالثقافة الصينية التي يفهمها أفضل منا في جوانب عديدة. وهو دائما إيجابي ومجتهد من حيث سلوكه المهني أو حماسه للعمل. طبيعة مهنة الطب صعبة على أي طبيب أجنبي، إذ تتطلب قدراً كبيراً من المعرفة والتدريب. وقد مرّت مسيرته، منذ وصوله إلى الصين دون معرفة مسبقة بثقافتها، مروراً بمرحلة الدراسة، وصولاً إلى عمله طبيباً في مستشفانا، بتحديات كبيرة تفوق ما يواجهه الأطباء المحليون. وأُعجَبُ حقاً بهذه المثابرة القوية.”
في العمل، يلتزم عمار بواجباته المهنية، ويشارك في استقبال المرضى وتحويلهم، ويتعاون مع الفريق الطبي لإنجاز المهام العلاجية. أما في حياته الشخصية، فيحرص على الاهتمام بأسرته، ويسعى إلى تحقيق توازن بين عمله وحياته الخاصة. تحظى هذه المسؤولية والالتزام بتقدير كبير من الزملاء أيضاً.
واصلت يانغ تيان حديثها بنبرة تقدير قائلة:
“بصفته طبيباً أجنبياً، يتميز عمار بكفاءة مهنية عالية، كما يشارك في استقبال المرضى وتحويل الحالات، ويتعامل مع عدد كبير من المراجعين باجتهاد والتزام كبيرين، ما يثير إعجاب الجميع. كما أنه يعتني بعائلته جيداً. فلديه ثلاثة أطفال، وتقوم زوجته بالاهتمام بشؤون الأسرة، بينما يحرص هو، رغم انشغاله، على قضاء وقت مع عائلته ومرافقتها. وقد نجح في تحقيق توازن جيد بين عمله وحياته الأسرية، وهو ما يحظى بتقدير كبير من زملائه.”
بعد سنوات من العمل، أصبح عمار جزءاً من أسرة المستشفى الرابع التابع لجامعة تشجيانغ. ويتمتع المستشفى بمنظومة متكاملة للخدمات الدولية، تشمل لافتات ثنائية اللغة، وخدمات تطوعية بعدة لغات، إضافة إلى خدمات ميسّرة للتأمين الصحي الدولي، مما يوفر بيئة مريحة لكل من الكوادر الطبية الأجنبية والمرضى. كما يحرص عمار على الاندماج في العمل الجماعي، ويعمل جنباً إلى جنب مع زملائه، مما يسهم في تعزيز روح التعاون وتقريب العلاقات بينهم.
قالت يانغ تيان بصراحة:
“على الصعيد المهني، يشارك الدكتور عمار في مختلف أعمال عيادة الطب العام. ومنذ انتقاله إلى هذا التخصص، حظي بثقة عدد كبير من المرضى، سواء من الوافدين أو من السكان المحليين الذين يقصدونه لتلقي العلاج. يصفه المرضى بأنه طبيب ودود وصادق، يحرص دائماً على الاهتمام بحالتهم الصحية. ورغم أن تواصلنا معه خارج العمل محدود نسبياً بسبب اختلاف أسلوب الحياة والعادات، إلا أننا نعرف أنه يهتم كثيراً بأسرته. ومن يولي عائلته اهتماماً ويضعها في المقام الأول، يكون في الغالب شخصاً مسؤولاً وصاحب التزام.”
على مدار مسيرة طبية امتدت نحو ثلاثين عاماً، استقبل عمار مرضى من مختلف أنحاء العالم، ومرّ بالعديد من اللحظات الإنسانية المؤثرة. يؤمن بأن مهنة الطب لا تعرف الجنسية أو العرق أو اللون، ولذلك يتعامل مع جميع المرضى على قدم المساواة. وقد عبّر عدد من المرضى عن شكرهم وامتنانهم له بطرق صينية تقليدية بعد التعافي، لتبقى هذه اللحظات من أجمل ذكرياته في مسيرته الطبية.
قال الدكتور عمار بابتسامةٍ دافئةٍ:
في المستشفى الرابع التابع لجامعة جيجيانغ، في هذه العيادة الدولية، أقوم بتشخيص وعلاج الأمراض الشائعة والعامة، وأمراض الجهاز العصبي. أقوم أيضا بتوجيه المرضى الأجانب وكذلك المرضى الصينيين، في حال احتاجوا أو كانت هناك الحاجة للمزيد من التدخل، سواء في مختلف التخصصات في مستشفانا أو
الحقيقة أن الأمثلة على المرضى الأجانب أو الصينيين الذين تلقوا الرعاية الطبية في عيادتي كثيرة. أتذكر أحد المرضى الصينيين، وهو كبير في السن، إذ زاد عمره على خمسة وسبعين عاماً. عندما جاء إلى عيادتي كان يعاني من تورم في ساقيه، وكان يعاني أيضاً من أمراض مزمنة أخرى. بعد أن أعطيته التشخيص والعلاج المناسبين، جاء ليشكرني، ولكن على الطريقة الثقافية الصينية، منحني أيضاً شهادة أو ما نقول عليها هنا بعلم للشكر الأعباء هكذا يتصرف الصينيون هكذا يتصرف الصينيون عندما يريدون أن يعبروا عن امتنانهم. جاء هو وأسرته وأخذوا والتقطوا صورة تذكارية مع هذا الطبيب الأجنبي الذي عالجهم بشكل جيد
إلى جانب عمله السريري، يضطلع عمار بدور نشط في تعزيز التبادل الثقافي؛ إذ يعرّف أصدقاءه العرب بالنظام الصحي في الصين، كما يطلع زملاءه الصينيين على العادات والممارسات الطبية في العالم العربي، مما ساهم في سد الفجوة بين الثقافات المختلفة. وفي الوقت ذاته، يواصل المستشفى الرابع التابع لجامعة تشجيانغ تعزيز التعاون الدولي، من خلال برامج لتبادل التقنيات الطبية وتدريب الكوادر مع عدد من الدول المشاركة في بناء “الحزام والطريق” بهدف الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية بشكل مشترك. وتقديراً لإسهاماته، حصل عمار على جائزة “صداقة البحيرة الغربية” للخبراء الأجانب في مقاطعة تشجيانغ لعام 2024، ليصبح نموذجاً متميزاً بين العاملين الطبيين الأجانب.
قال الدكتور عمار بصدق:
أعتقد نفسي، أوكي. أعتقد أني أمثل جسرا طبيا بين الصين والدول العربية من ناحية، ومن ناحية أخرى أمثل جسرا ثقافيا. ما أقوم به هنا ليس فقط شرح نظام الرعاية الصحية للإخوة العرب، كما فعلنا ذلك أيضا أيام وباء كورونا. أنا هنا أشارك زملائي الصينيين العادات الطبية وأشرح لهم أيضا الاختلافات التي قد توجد بين مختلف الثقافات، وخاصة عندما يتعلق الموضوع بالمرضى الأجانب والعرب بشكل محدد. أريد من خلال هذا العمل أن أستمر في تقريب المسافة بين الشعبين البلدين الصيني واليمني، أو الصيني والوطن العربي بشكل عام
لدى عمار رؤية واضحة لمستقبله، إذ يعتزم مواصلة تطوير مهاراته الطبية، ودعم وتعزيز التبادل الطبي والثقافي بين البلدين بشكل متواصل.قال الدكتور عمار بثقة وحماس:
في المستقبل أنا متفائل كثيرا، وسأعتقد أني سأستمر في تعميق خبرتي في الطب. وهذا هو هدفي الأول. سأستمر في تعميق خبرتي في الطب وفي مستشفى تشيجيانغ الرابع الجامعي، وسأواصل بالتالي تعزيز التبادل الطبي والثقافي بين الصين والدول العربية. وأستقر في الصين بثبات. أعتقد أن الصين قد أصبحت بلدي الثاني، خاصة بعد حصولي على بطاقة الإقامة الدائمة. سأقوم بثبات في خدمة المزيد من المرضى الصينيين والأجانب بمهاراتي الطبية، وسأستمر في عملي الثقافي كجسر يربط بين الثقافتين
