بقلم الإعلامي خالد سالم
هناك مثل شعبي قديم يقول: “صاحب بالين كداب، وصاحب ثلاثة منافق.” وربما تبدو العبارة قاسية، لكنها لم تأتِ من فراغ، فالأمثال الشعبية هي خلاصة تجارب أجيال، وصياغة مختصرة لحكمة صقلها الزمن وأثبتتها المواقف.
وفي واقعنا اليوم، يبدو أن هناك من حوّل جمع المناصب إلى هواية، بل إلى سباق لا يتوقف. فكلما خلا مقعد سارع إليه، وكلما عُرض منصب جديد سعى لضمّه إلى قائمة ألقابه، حتى أصبحت المناصب عند البعض وسيلة للوجاهة والنفوذ، وليست مسؤولية أو تكليفًا يستوجب العمل والعطاء.
المشكلة لا تكمن في أن يتولى الإنسان أكثر من مسؤولية إذا كان قادرًا على إدارتها بكفاءة، وإنما تكمن في الهوس بالاستحواذ على كل ما يمكن الاستحواذ عليه، دون النظر إلى حجم الوقت أو الجهد أو القدرة الحقيقية على الإنجاز. فالمنصب ليس شهادة تُعلّق على الحائط، ولا لقبًا يُسبق به الاسم، بل رسالة وأمانة ومحاسبة.
ومن يتأمل المشهد يجد أن الهدف لدى بعض هواة جمع المناصب ليس خدمة الناس أو تطوير المؤسسات، وإنما تحقيق أكبر منفعة مادية، وتوسيع دائرة النفوذ، وتعزيز الرصيد في البنك، وبناء شبكة من المصالح الشخصية. وفي النهاية، يصبح المستفيد الوحيد هو صاحب المناصب نفسه، بينما تبقى المؤسسات تدفع الثمن، ويظل المواطن ينتظر خدمة لا تأتي، أو وعدًا لا يتحقق.
إن سياسة “تحويش المناصب” تفرغ المنصب من هيبته وقيمته، لأن المنصب الذي يتولاه شخص لا يجد الوقت لمتابعته، يفقد دوره الحقيقي. فالقيادة تحتاج إلى حضور، وإلى متابعة يومية، وإلى اتخاذ قرارات، وإلى تحمل المسؤولية، وليس مجرد توقيع الأوراق أو الظهور في الصور والاحتفالات.
والنتيجة الطبيعية أن الأداء يتراجع، والمشروعات تتعطل، والقرارات تتأخر، بينما تتراكم الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ. وحينها يكون الخاسر الحقيقي هو المواطن، الذي ينتظر خدمة أو رعاية أو تطويرًا، فلا يجد سوى كلمات منمقة وتصريحات براقة، أما الواقع فيبقى كما هو، وربما يزداد سوءًا.
ولعل أخطر ما في هواية جمع المناصب أنها تحرم الكفاءات الحقيقية من فرصة القيادة والإبداع، وتغلق الأبواب أمام الشباب وأصحاب الأفكار الجديدة، لأن المقاعد أصبحت محجوزة لمن يجيدون الاحتفاظ بها، لا لمن يستحقونها.
إن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد المناصب التي يحملها، وإنما بما يتركه من أثر في كل موقع يشغله. فالتاريخ لا يتذكر من جمع المناصب، بل يتذكر من صنع الإنجازات. أما الألقاب، فسرعان ما تتغير، بينما يبقى العمل الصادق شاهدًا لا يسقط بالتقادم.
ولذلك، فإن المؤسسات الناجحة هي التي تؤمن بتوزيع المسؤوليات، وإتاحة الفرصة للكفاءات، وربط المنصب بالإنجاز لا بالولاء أو المصالح. فالمنصب تكليف قبل أن يكون تشريفًا، ومن لا يستطيع أن يؤدي حقه، فليتركه لمن هو أقدر عليه.
وفي النهاية، ستظل حكمة الأجداد صالحة لكل زمان، لأن التجارب لا تكذب، ولأن الواقع يثبت كل يوم أن من يطارد كل المناصب، غالبًا لا ينجح في أي منها، بينما يدفع المجتمع ثمن هذا الشغف الذي لا يعرف حدودًا.
