بين جدران صالة التحرير بمجلة “كاريكاتير” العريقة، لم تكن الحبر والريشة وحدهما يصنعان الضحكة والبهجة، بل كانت الموسيقى تتدفق خفية وراء الكواليس لتصيغ وجدان جيل بأكمله. في ذلك الوقت، كنت مجرد طالب في السنة الأولى بكلية الإعلام جامعة القاهرة، أخطو خطواتي الأولى كمحرر “بالقطعة” في المجلة، كلي طاقة وشغف، وعيناي تلتهمان قامات فنية وصحفية قلما يجود الزمان بمثلها.
كان يدير هذا الصرح الصحفي، الأستاذ والمعلم الراحل بشير عياد، مدير التحرير الذي لم يكن مجرد صحفي قدير، بل كان مدرسة حقيقية في الإنسانية والأدب، وصاحب فضل سيظل محفوراً في قلبي وعقلي ما حييت.
عنتر هلال.. “عيني” على النجاح و”يا ليلة” المنتظرة
في ذلك اليوم المشهود، التقينا في مكتب المجلة بالشاعر الكبير عنتر هلال، الذي كان نجماً ساطعاً في سماء الأغنية العربية، خاصة بعد أصداء أغنيته الشهيرة “كلمتنا”. كان اللقاء يضج بالحيوية، بالتزامن مع العرض الطاغي لفيديو كليب أغنية “عيني”، تلك التحفة الفنية التي كتبها عنتر وجمعت الثنائي المرعب آنذاك: حميد الشاعري ومصطفى قمر، وحققت نجاحاً هائلاً تخطى كل التوقعات.
وسط هذه الأجواء، جلس عنتر هلال يحكي لنا بحماسه المعهود عن كواليس أغنية جديدة كان ينتظر صدورها بفارغ الصبر في شتاء عام 1997، وهي أغنية “يا ليلة” للفنان هشام عباس.
ولم تقتصر نجومية عنتر على الكلمة المغناة فحسب، بل تميز بروح فكاهية طاغية، وجانب فني آخر قد لا يعرفه الكثيرون، وهو هوسه بالرسم الكاريكاتوري والبورتريهات. وأذكر أنه، بدافع من تلك الروح المرحة، التقط ورقة وقلماً وفرغ طاقته الإبداعية في رسم “بورتريه” خاص بي، ووقع عليه باسم “عنطر” بالطاء بدلاً من التاء، في لقطة ساخرة ما زلت أحتفظ بهذا البورتريه حتى يومنا هذا كتميمة حظ وذكرى من زمن جميل.
هاني الصغير.. شجن الرومانسية الدافئ
على الجانب الآخر من الجلسة، كان يجلس الشاعر هاني الصغير، الذي يمثّل النقيض الهادئ والعميق. تميز هاني بالحس الفني الرقيق والروح النقية الحالمة.
في تلك الآونة، كان الصغير قد أودع سحره الخاص في أغنية “جراح” للفنان مصطفى قمر، والتي صدرت ضمن ألبوم “افتكرني” عام 1997. والمفارقة الجميلة أن تلك الأغنية، وبسبب صدق كلماتها وعذوبة لحنها، لاقت نجاحاً مدوياً يوازي تماماً نجاح أغنية “الهيد” (افتكرني)، وأصبحت نشيداً رسمياً لكل القلوب المجروحة بفضل روحها الرومانسية النقية التي لامست الوجدان.
“ليه يا طريق”.. اختبار الكبار وأداء مصطفى قمر
وسط هذه الكوكبة من صناع النغم، لم يفت الأستاذ بشير عياد (رحمه الله) أن يضفي لمسته الأبوية المشجعة. كان يعلم شغفي الكبير بالغناء، ويعرف تحديداً مدى عشقي لأغنية كتبها هو بنفسه وتحمل اسم “ليه يا طريق”.
فجأة، وبنبرة تجمع بين الجد والمزاح، طلب مني الأستاذ بشير أن أقف وأغني الأغنية أمام هؤلاء العمالقة: عنتر هلال وهاني الصغير. تملكتني الرهبة للحظات، لكنني استجمعت شجاعتي، ووقفت أشدوا بـ “ليه يا طريق”.
“أبليت بلاءً حسناً في ذلك الاختبار الصعب، وظهر تأثري الشديد وقتها – شكلاً وأداءً – بالفنان مصطفى قمر الذي كنت متيماً بأسلوبه الغنائي.”
رحلوا وبقي الأثر
مرت السنوات، وتغيرت ملامح الساحة الغنائية، وتبدلت أحوال الصحافة، لكن تظل تلك الجلسة في مجلة “كاريكاتير” شاهدة على عصر ذهبي من الفن والإبداع.
أما الأستاذ بشير عياد، فمهما طال الغياب ورحل عن دنيانا، فكان ولا يزال وسيظل في ذاكرتي وذاكرة الصحافة المصرية… “هو الأستاذ” الذي فتح لنا الأبواب، وعلمنا كيف نتذوق الكلمة، وكيف نقف بثقة في حضرة الكبار. ولو طال بنا العمر، سنظل ندين لتلك الأيام ولهؤلاء المبدعين بكل الشغف الحقيقي الذي نحمله في صدورنا اليوم.
