بقلم الإعلامي خالد سالم
لم يعد ارتفاع الأسعار مجرد أرقام تُعلن في نشرات الأخبار أو قرارات اقتصادية تُنشر في الجريدة الرسمية، بل أصبح واقعًا يطرق أبواب كل بيت، ويؤثر في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن البسيط. فمع كل زيادة في أسعار الوقود أو الكهرباء أو الخدمات، تمتد آثارها سريعًا إلى الأسواق، فيرفع القطاع الخاص أسعار السلع والمنتجات والخدمات بحجة ارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل والتشغيل.
قد يكون من الطبيعي أن يحاول المستثمر أو صاحب المصنع أو التاجر الحفاظ على هامش ربحه، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من يحمي أصحاب الدخل الثابت؟
الموظف الذي يتقاضى راتبًا شهريًا ثابتًا لا يملك رفاهية زيادة دخله مع كل موجة غلاء، بينما تتضاعف التزاماته المعيشية يومًا بعد يوم. أما أصحاب المعاشات، الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن، فيجدون أنفسهم أمام أسعار تتغير باستمرار، بينما يظل معاشهم عاجزًا عن ملاحقة متطلبات الحياة. ويزداد المشهد صعوبة بالنسبة لكبار السن الذين يحتاجون إلى العلاج والدواء، حيث أصبحت تكاليف الرعاية الصحية تمثل عبئًا إضافيًا على دخولهم المحدودة.
ولا يمكن تجاهل فئة العاطلين عن العمل، الذين يعيشون أصلًا ظروفًا اقتصادية قاسية. فكيف يستطيع من لا يملك مصدر دخل ثابت أن يواجه الزيادات المتتالية في أسعار الغذاء والمواصلات والإيجارات؟ إنهم الفئة الأكثر تأثرًا، لأنهم يواجهون الغلاء دون أي قدرة على تعويض خسائرهم.
إن نجاح أي سياسة اقتصادية لا يقاس فقط بالأرقام والمؤشرات، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية. فالإصلاح ضرورة، لكن حماية المواطن ضرورة لا تقل أهمية. لذلك، فإن زيادة برامج الدعم، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، ومراجعة الأجور والمعاشات بصورة تتناسب مع معدلات التضخم، أصبحت مطالب ملحة لضمان حياة كريمة للمواطنين.
كما أن الرقابة الصارمة على الأسواق أصبحت ضرورة لا خيارًا، حتى لا تتحول قرارات الإصلاح إلى فرصة للبعض لتحقيق أرباح مبالغ فيها على حساب المواطنين. فليس كل ارتفاع في التكلفة يبرر الزيادات الكبيرة التي نشهدها في بعض السلع والخدمات، وهنا يأتي دور الجهات الرقابية في حماية المستهلك ومنع الممارسات الاحتكارية.
في النهاية، يبقى المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف في معادلة الغلاء. فهو لا يعترض على الإصلاح ولا يرفض التنمية، لكنه يتطلع إلى أن يشعر بأن هناك من يسانده في مواجهة أعباء الحياة المتزايدة. فاستقرار المجتمع يبدأ من استقرار الأسرة، واستقرار الأسرة يبدأ من قدرة المواطن على توفير احتياجاته الأساسية بكرامة.
إن التحدي الحقيقي ليس في اتخاذ القرارات الاقتصادية، بل في ضمان ألا يدفع محدودو الدخل وحدهم ثمن هذه القرارات، بينما يظل الأمل قائمًا في أن تكون العدالة الاجتماعية شريكًا أساسيًا في كل خطوة نحو الإصلاح والتنمية.
بقلم الإعلامي خالد سالم
