بقلم الإعلامي خالد سالم
يمثل أرشيف الإذاعة المصرية أحد أهم الكنوز الثقافية والوطنية التي تمتلكها الدولة المصرية، فهو ليس مجرد مجموعة من الأشرطة والتسجيلات والوثائق القديمة، بل سجل حي يوثق تاريخ الأمة المصرية عبر عقود طويلة من الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية التي شكلت وجدان الشعب المصري والعربي.
منذ انطلاق الإذاعة المصرية عام 1934، كانت شاهدة على أهم المحطات التاريخية التي مرت بها مصر. فمن خلال ميكروفونها انتقلت إلى الجماهير خطابات الزعماء، وأخبار الانتصارات والتحديات، والبرامج الثقافية والتعليمية، وأعمال كبار المبدعين من المطربين والممثلين والشعراء والمفكرين. لذلك فإن كل تسجيل محفوظ داخل هذا الأرشيف يمثل صفحة من صفحات التاريخ الوطني.
وتأتي الجهود التي يبذلها رئيس الإذاعة المصرية الأستاذ عبد الرحمن البسيوني في إطار رؤية واعية بأهمية هذا التراث الضخم، حيث تعكس جولاته التفقدية للإدارة المركزية للتنسيق والمكتبات والإدارة المركزية للشئون المالية والإدارية والعقود اهتماماً حقيقياً بالحفاظ على هذه الثروة الوطنية. فمشروعات الأرشفة الرقمية وتحويل المحتوى التناظري إلى صيغ رقمية حديثة لم تعد رفاهية، بل أصبحت ضرورة ملحة لضمان بقاء هذا التراث وصيانته من عوامل الزمن والتلف.
ولا تقتصر أهمية الأرشيف الإذاعي على التسجيلات الصوتية فقط، بل تمتد إلى الوثائق والعقود التاريخية التي توثق مسيرة الفن المصري وعلاقاته الإنتاجية والإبداعية عبر عقود طويلة. فهذه الوثائق تحفظ حقوق المبدعين، وتوفر مادة ثرية للباحثين والمؤرخين والدارسين في مجالات الإعلام والفنون والثقافة.
إن أرشيف الإذاعة المصرية هو ذاكرة وطنية متكاملة، تحفظ أصوات من صنعوا تاريخ مصر الحديث، وتوثق نبض الشارع المصري في مختلف المراحل الزمنية. ومن هنا فإن رقمنة هذا التراث وإتاحته للأجيال الجديدة عبر المنصات الرقمية تمثل خطوة استراتيجية تسهم في تعزيز الهوية الوطنية وربط الشباب بتاريخهم الثقافي والحضاري.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن المؤسسات الإعلامية الكبرى تحرص على صون أرشيفها باعتباره أحد أهم عناصر قوتها الناعمة ومصدراً من مصادر المعرفة والتوثيق. والإذاعة المصرية، بما تمتلكه من إرث فريد، تستحق أن تكون نموذجاً رائداً في هذا المجال، وأن يتحول أرشيفها إلى منصة معرفية وثقافية تتيح للجمهور والباحثين الاطلاع على محتوى يمثل جزءاً أصيلاً من تاريخ مصر الحديث.
إن الحفاظ على أرشيف الإذاعة المصرية ليس مسؤولية مؤسسة بعينها، بل هو واجب وطني وثقافي يهدف إلى حماية ذاكرة الأمة المصرية من الضياع، وضمان انتقال هذا الإرث الثمين إلى الأجيال القادمة. فالأمم التي تحفظ تاريخها وتوثق تراثها هي الأمم الأقدر على صناعة مستقبلها، والإذاعة المصرية ستظل دائماً أحد أهم الحراس الأمناء لذاكرة مصر ووجدان شعبها.
حفظ الله الإذاعة المصرية وتراثها العريق، وجعل أرشيفها منارةً للأجيال، وشاهداً خالداً على تاريخ أمة صنعت الحضارة وكتبت صفحات مجدها عبر الزمن.
الإعلامي خالد سالم
