بقلم يانغ ينغ إعلامية صينية
في مدينة ميانيانغ بمقاطعة سيتشوان الصينية، يشهد أول مركز تدريب مخصّص لروبوتات الذكاء المتجسّد في غربي الصين نمواً متسارعاً. ولا يقتصر دوره على كونه مساحة للتدريب، بل أصبح حلقة محورية تربط بين التكنولوجيا والصناعة، وتدفع بالروبوتات من المختبر إلى التطبيق الواقعي.
في يوليو 2025، استقرّ مركز تدريب روبوتات الذكاء المتجسّد لمقاطعة سيتشوان رسمياً في مدينة ميانيانغ، التي تتمتع بقاعدة علمية وبحثية متينة، إلى جانب وفرة سيناريوهات التطبيق الصناعي، ما يجعلها نقطة ارتكاز مهمة لدفع تطوير صناعة الذكاء المتجسّد في غربي الصين.
يرتبط اختيار ميانيانغ بعدة عوامل رئيسية، من أبرزها مكانتها كإحدى المدن الصينية البارزة في مجال العلوم والتكنولوجيا، وما توفره من قاعدة علمية وتقنية متقدمة، إلى جانب تجمع واسع للشركات التكنولوجية. كما أنها مدينة صناعية عريقة، تزخر ببيئات تطبيقية غنية ومواد تدريب متنوعة، فضلاً عن مشروعات جاهزة للتنفيذ، وهو ما يعزز دورها كنقطة انطلاق لدفع تنمية صناعة الذكاء المتجسّد في غربي الصين، ويسهم في استكمال منظومة هذه الصناعة على مستوى البلاد.
وبالمقارنة مع مراكز تدريب الروبوتات في مدن مثل بكين وشنغهاي، يتميز مركز ميانيانغ بطابع واضح قائم على خدمة الصناعة. وبالاعتماد على القاعدة التصنيعية والموارد الصناعية لمجموعة “تشانغهونغ”، الرائدة في قطاع التصنيع المتقدم في الصين، تطوّر المركز ليصبح منصة مفتوحة تربط بين الشركات التي تمتلك طلباً على الروبوتات لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا، وبين فرق البحث والتطوير التي تمتلك التقنيات لكنها تفتقر إلى سيناريوهات التطبيق، بما يسهم في بناء جسر فعال بين العرض والطلب.
كما يضطلع المركز بدور في توفير بيئة لتبادل المسارات التقنية بين الشركات، وتقديم تقييمات موضوعية للروبوتات تخدم مختلف الأطراف، بما في ذلك الصناعة والمجتمع والجهات الحكومية، وهو ما يعزز قدرته على توجيه السوق ودعم تطوير القطاع الصناعي.
في هذا المركز، لا وجود لكتب دراسية تقليدية أو سبورات، إذ تشكّل البيئات الصناعية والمنزلية والتجارية الحقيقية أفضل مناهج تدريب الروبوتات، فيما يُعدّ التدريب العملي المتكرر وجمع كميات كبيرة من البيانات الأساس في تطوير قدراتها. ويؤدي العاملون في الخطوط الأمامية دور “المعلمين الأوائل”، حيث يعملون ضمن فرق ثنائية، ويتعاونون مع الروبوتات في تنفيذ مهام تدريبية متكررة، بما يتيح تتبّع تطورها التدريجي.
وتشمل عمليات التدريب مهام بسيطة ظاهرياً، مثل ترتيب العناصر أو تصحيح الأخطاء أثناء التنفيذ، إلا أنها تتيح جمع مئات البيانات يومياً، تُرفع إلى النظام ليجري تحليلها ومعالجتها لاحقاً، ما يوفّر دعماً أساسياً لتطوير أداء الروبوتات.
ومع تكرار التدريب، تنتقل الروبوتات تدريجياً من مرحلة الاعتماد على التحكم البشري إلى القدرة على التنفيذ شبه الذاتي، حيث تحقق مستويات متزايدة من الاستقلالية. ففي مجال الروبوتات المنزلية، على سبيل المثال، باتت بعض النماذج قادرة على تنفيذ مهام مثل ترتيب الغرف والتعامل مع الأدوات المنزلية بنسبة تشغيل ذاتي تصل إلى نحو 70%، مع توقعات بالوصول إلى التشغيل الكامل عبر التحسين المستمر.
أما في قطاع المتاجر والأسواق، فقد شهدت الروبوتات تطوراً ملحوظاً، إذ ارتفعت قدرتها على العمل الذاتي من مستويات محدودة في البداية إلى ما بين 50% و60% حالياً، مع استمرار العمل على تحسين أدائها للوصول إلى التشغيل الكامل في البيئات التجارية.
ولخفض تكاليف التدريب ورفع كفاءته، يعتمد المركز نموذجاً مرناً يجمع بين البيئات الواقعية والتدريب الافتراضي. ففي حين يتم جمع البيانات في مواقع حقيقية مثل المصانع والمنازل الذكية، يُستخدم نظام المحاكاة الافتراضية لإجراء تدريبات إضافية، بالتعاون مع شركات متخصصة في تقنيات “التوأم الرقمي”، ما يتيح تقليل التكاليف وتعزيز مرونة التدريب.
ويتميّز هذا النموذج بقدرته على التكيّف مع مختلف التوجهات التقنية، إذ يمكن تعزيز التدريب الافتراضي أو زيادة الاعتماد على البيئات الواقعية وفقاً لمتطلبات التطوير، بما يضمن توفير منظومة تدريب متكاملة ومستقرة.
ولا يقتصر دور المركز على التدريب، بل يمتد إلى دعم الانتقال الفعلي إلى التطبيق الصناعي. فقد نجحت ميانيانغ في بناء سلسلة متكاملة تبدأ من تحديد احتياجات الشركات، مروراً باختبار الحلول داخل مركز التدريب، وصولاً إلى تطبيقها في بيئات الإنتاج الفعلية.
وفي هذا السياق، تمكنت إحدى الشركات المحلية العاملة في تصنيع مكونات السيارات من تحقيق تقدم ملموس، حيث أصبحت عمليات مناولة المواد تتم بشكل ذاتي، مع قدرة الروبوتات على التعرف المستقل ومعالجة بعض الحالات البسيطة، بعد اختبار هذه القدرات داخل المركز والتحقق منها.
ومن خلال الربط بين البحث والتطوير والتدريب والتطبيق، يسهم مركز ميانيانغ في بناء منظومة متكاملة لصناعة الروبوتات، كما يخلق فرص عمل جديدة في مجالات مثل تشغيل الروبوتات، وتدقيق البيانات، وتدريب النماذج، ويساعد في دفع التحول الذكي للمؤسسات الصناعية التقليدية.ويعمل المركز حالياً في إطار تنسيق وتكامل مع مركز تدريب الروبوتات البشرية في مدينة تشنغدو، حيث يركّز الأخير على تطوير البرمجيات و”عقل الروبوت”، بينما يركّز مركز ميانيانغ على التطبيق العملي في مختلف البيئات، بما يعزز التكامل بين الطرفين ويدعم تطور صناعة الذكاء المتجسّد في مقاطعة سيتشوان.
وفي إطار خططه المستقبلية، يسعى المركز إلى توسيع قاعدة بيانات التدريب، وتطوير قطاع تجاري مرتبط بالروبوتات، إلى جانب تعزيز نشر المعرفة عبر المعارض والبرامج التعليمية، كما يخطط لإنشاء مركز متخصص لاختبار أداء الروبوتات، يشمل الجوانب البرمجية والهيكلية والمكونات المادية، بما يدعم تسريع دخول المنتجات إلى السوق.
من المختبر إلى خط الإنتاج، ومن البحث العلمي إلى التطبيق الصناعي، يفتح مركز ميانيانغ لتدريب الروبوتات مسارات جديدة لتطوير الذكاء المتجسّد. ولم تعد الروبوتات مجرد نماذج تجريبية، بل أصبحت تتجه تدريجياً لتكون قوة إنتاجية فاعلة.
وبينما تتحول النماذج الأولية إلى “عمال صناعيين”، وتتكوّن سلاسل صناعية متكاملة، تبرز ميانيانغ كنموذج في دفع التصنيع الذكي في غربي الصين، حيث تلتقي التكنولوجيا بالتطبيق الواقعي، لتشكّل معاً قوة دافعة جديدة للتنمية عالية الجودة في الاقتصاد الصيني.
