بينما كنت أسير في شارع البر الثاني
القديم بالسويس، تلك البقعة التي تحمل في طياتها عبق الذكريات، قادتني قدماي تلقائياً نحو “عم سمير”. هذا الرجل الذي لم يكن مجرد بائع للصحف، بل كان بمثابة “مكتبة متنقلة” أو “خزانة أسرار” الحي، حيث كانت رائحة الورق الطازج تمتزج برائحة الصباح والقهوة.
اقتربت منه، ليس فقط لأشتري صحيفة، بل لأستعيد لحظة من الزمن الجميل. نظرت إلى الكشك الذي تظهر ملامحه فتساءلت في أعماقي: هل اندثرت حقاً مهنة بائع الصحف في مدينتنا؟
لقد كان كشك عم سمير يوماً ما ملتقى القراء، ومصدر الأخبار، ومكاناً يعلق فيه بوسترات البرامج الإذاعية مثل تلك الموجودة والتي أصبحت الآن جزءاً من ديكور الذكريات على جدران الكشك. اليوم، ومع زحف التكنولوجيا الرقمية، أصبح المشهد يبعث على الشجن؛ الكلمات المطبوعة لا تزال موجودة، لكن “الحالة” التي كان يخلقها عم سمير بابتسامته وكلماته الصباحية بدأت تخبو وتتوارى خلف شاشات الهواتف.
لقد كانت جولتي اليوم ليست مجرد مشوار لشراء جريدة، بل هي وقفة أمام تراث حي يواجه النسيان. هل سنفتقد يوماً هذا الحوار العفوي مع بائع الصحف؟ أم أننا سنكتفي بقلب الصفحات عبر شاشات صماء؟
لقد قادني الحنين أمس للبحث عن رائحة الورق الطازج وصوت باعة الصحف الذين كانوا جزءاً لا يتجزأ من ذكريات طفولتي في شوارع القاهرة القديمة. رحت أمشي في منطقة الأربعين، باحثاً بلهفة عن ‘كشك الفار’، ذلك الصرح الصغير الذي كان يجمع شتات الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية. كانت خطوتي ثقيلة، يرافقها صدى ذكريات قديمة.
لكن يا خسارة، ملقيتش الـ ٣ أو ٤ أكشاك التي كانت تزين موقف الأوتوبيس القديم. كانت تلك الأماكن تنبض بالحياة، بضحكات الباعة ونظرات القراء المتلهفة. الآن، لا أرى سوى جدران صماء وفراغ يثير الشجن.
لم أستسلم، رحلت كمان عن سوق الأنصاري، حيث كان ‘عم محمود العطار’ يحتل مكاناً مميزاً، ويبيع كل الجرايد جنب مواد العطارة. كانت رائحة الزعتر والكمون تمتزج برائحة الحبر الورقي، في مزيج فريد من عبق الماضي والحاضر. لكن ملقيتتوش، ولا حتى أي أثر له.
سألت الناس، بلهفة، ‘الاقي فين بياع جرايد؟’. قالولي، بابتسامة خافتة، ‘عند شارع صدقي…’. رحت هناك، لكن يا خسارة، لقيته قافل. قعدت مستنيه للصبح، محاولاً التمسك بأمل ضعيف، لكن عندما فتح بياع الجرايد الوحيد أبوابه، لقيت معندوش غير عددين تلاتة، وحبة لا تذكر من أنواع الصحف والمجلات. كانت تلك خيبة أمل كبيرة.
هل اندثرت مهنة باعة الصحف في شوارعنا؟ هل أصبحت أخبار اليوم مجرد لمسات على شاشات هواتفنا؟ لقد كانت هذه الرحلة تذكيراً محزناً بتغير الزمن وبفقدان عادات جميلة كانت جزءاً من هويتنا
