ليس من السهل أن تختزل سنواتٍ من العمر في بضعة أسطر، ولا أن تحصي رحلةً امتدت بين الميكروفون والكلمة والمستمع والوطن.
أكثر من مائتين وخمسة وسبعين خبرًا إلكترونيًا وثّقت أعمالي وبرامجي، بخلاف ما احتضنته الصحف والمجلات والمطبوعات، وما ضاع منها في زحام السنوات. لم تكن تلك الأخبار يومًا غايتي، لكنها كانت شاهدًا على طريقٍ طويل، تركت فيه من الجهد ما يكفي لأن تتحدث الأعمال عن صاحبها حين يصمت، وأن تضيء سيرته حين يحاول البعض إطفاءها.
خلف كل خبر قصة، وخلف كل برنامج ساعات من العمل والاجتهاد والتعلم والتجربة. مهامٌ أُنجزت، وأفكارٌ تحولت إلى واقع، وإنجازاتٌ وُلدت من الإيمان بالرسالة لا من السعي إلى المنصب، ومن حب العمل لا من حب الظهور.
قدّمت ذلك كله مقابل أجرٍ متواضع لا يكاد يُذكر، لم يكن يتجاوز في كثير من الأيام ألفًا وثمانمائة جنيه شهريًا، لكنني كنت أتقاضى ما هو أثمن من المال؛ شعور الإنسان بأنه يؤدي رسالته كما ينبغي، ويترك أثرًا يظل حاضرًا بعد انطفاء الأضواء وانتهاء البث.
تعلمت من الرواد الذين صنعوا مجد الإذاعة، وجلست إلى أعمدة المهنة الذين كانوا يرون في الإعلام رسالةً قبل أن يكون وظيفة، ووطنًا قبل أن يكون مصدر رزق. وما زلت حتى اليوم أتعلم، لأن المعرفة رحلة لا تنتهي، ولأن من يتوقف عن التعلم يبدأ في الغياب ولو كان حاضرًا.
لقد آمنت دائمًا أن الأمن القومي لا تحميه الحدود وحدها، بل تحميه الكلمة أيضًا. وأن الإعلام الوطني ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أحد خطوط الدفاع الأولى عن الوعي والهوية والانتماء.
فالخطر الحقيقي لا يبدأ حين يتحدث الآخرون، بل حين نصمت نحن. ولا يبدأ حين تبهرنا أدوات الخارج، بل حين نفشل في تطوير أدوات الداخل. فحين يفقد المواطن ثقته في إعلامه الوطني، يبحث عن البديل، وحين يبحث عن البديل، يفتح أبواب عقله وقلبه ورسائله اليومية لمن يصوغ له رؤيته للعالم.
إنها معارك القوة الناعمة؛ تلك الحروب التي لا تُطلق فيها الرصاصات، بل تُطلق فيها الأفكار. وتُحتل فيها العقول. وهي أخطر الحروب وأعمقها أثرًا، لأنها تُدار بالمعرفة والإبداع والقدرة على التأثير، لا بالصوت المرتفع ولا بالمناصب ولا بالنفوذ.
ولهذا فإن المؤسسات تنهض بأصحاب الرؤية والخبرة والكفاءة والقدرة على الإنجاز.
أما المناصب فزائلة، والكراسي عابرة، والنفوذ مؤقت، لكن الأثر الحقيقي هو ما يبقى بعد رحيل الجميع.
وسيظل يقيني ثابتًا بأن الإنسان قد يخسر منصبًا، أو فرصةً، أو معركةً عابرة، لكنه لا يخسر شيئًا ما دام يحتفظ بسيرته، ويصون ضميره، ويترك خلفه عملًا نافعًا يشهد له حين يغيب.
فالأعمال الصادقة لا تحتاج إلى من يدافع عنها… إنها تتحدث عن نفسها بنفسها.
سيرتي الذاتية والأخبار:
https://sayed.es/cv-pdf/
https://sayed.uk/cv-pdf/
—
#عملك_يتحدث_عنك
#سيد_عبد_العزيز_كواليس
