بقلم : د. محمد جمال الدين
تُعد الثقافة في جوهرها الفلسفي الخالص، فعل تحرر ومساحة ممتدة من القلق المعرفي والنقدي، الذي يرفض الإمتثال ويرتاد آفاق التساؤل، غير أن المشهد الثقافي الراهن في مصر بات يشهد تحولاً بنيوياً خطيراً، حيث انزاحت بعض القيادة الثقافية والفنية عن دورها التاريخي كحارس للوعي وباعث على التنوير، لتتحول إلى أدوات بيروقراطية تمارس أدواراً رقابية تتجاوز أعتى النظم الشمولية.
إننا أمام حالة صارخة من “الفصام المسلكي والمعرفي”، حيث نرى بعض القيادات الثقافية والفنية تقف على منابر الإعلام، وفوق منصات المؤتمرات، تتشدق بعبارات “بناء الوعي”، “تنمية الفكر”، و”حريات الإبداع”، بينما تتحول الغرف المغلقة إلى مقاصل حقيقية لتكميم الأفواه، ومصادرة الحق الإنساني والطبيعي في النقد، بل والوصول إلى حد التهديد بالإقصاء وتجويع المثقف أو الفنان بقطع “لقمة العيش”، فكيف تحولت المنارة إلى مخرز؟ وكيف ارتدت تلك القيادات الثقافية عباءة “مفتشي الفكر” ليصبح النقد البناء المستهدف للصالح العام جريمة تُهدد أمنهم البيروقراطي؟
إن السؤال الفلسفي الأبرز الذي يطرح نفسه أمام هذا المشهد هو: كيف وصلنا إلى هنا؟ والإجابة تكمن في فهم “سيكولوجية السلطة الوظيفية”، لقد تحولت المناصب الثقافية من “مسؤولية فكرية” إلى “امتيازات ومكاسب شخصية”، عندما يتماهى المسؤول مع كرسيه، يصبح الكرسي هو الوجود، وتصبح أي حركة نقدية، مهما بلغت عقلانيتها ووطنيتها، بمثابة زلزال يُهدد استقراره الوظيفي.
الغريب في الأمر أن تُوظف بعض القيادات الثقافية والفنية مصطلح “البلبلة” كغطاء أيديولوجي زائف لتبرير القمع المعرفي، إذ إنهم يخلطون عامدين بين النقد العلمي المسؤول الذي يستهدف تقويم المعوج، وبين الهدم، وهذا الخلط ليس جهلاً، بل هو آلية دفاعية لحماية عجزهم الإداري والفني من الإنكشاف أمام الرأي العام والسلطات العليا، أضف الي ذلك شيطنة الفضاء العام، وذلك حتى في المساحات المتاحة والمشروعة قانوناً ودستوراً، يُنظر إلى أي “بوست” أو مقال نقدي على أنه مؤامرة شخصية أو محاولة لزعزعة الاستقرار، مما يكشف عن هشاشة معرفية ونفسية مرعبة لدى هؤلاء المسؤولين الغير مسؤولين .
أننا أمام حالة يمكن أن نطلق عليها فصامية الخطاب، بين ديمقراطية المنابر وديكتاتورية الغرف المغلقة، إذ تمثل هذه الحالة ذروة “الابتذال الأخلاقي” في العمل العام، فعندما يجلس المسؤول الثقافي في اللجان والمؤتمرات ليتحدث عن بناء الإنسان وصياغة الوعي، فإنه يمارس عملية “تزييف وعي جماعي”، إذ كيف يستقيم منطقياً وفلسفياً أن تبني وعياً بأدوات الترهيب؟، الوعي يا سيدي لا ينمو في زنازين الخوف، والفكر لا يزدهر إذا كانت عاقبة التعبير عنه هي التهديد بالاستبعاد والإقصاء، كما إن إشهار سلاح “قطع الأرزاق” والتهديد بالاستبعاد من المشهد ليس دليلاً على القوة، بل هو إعلان رسمي عن الإفلاس الفكري والأخلاقي، إنه اعتراف ضمني من هذه تلك القيادات بأنها لا تملك حجة لمقارعة الحجة، ولا فكراً لمواجهة الفكر، فلا تجد ملاذاً إلا في “سلطة المنع والتجويع”، وهي أدوات تناقض ماهية الثقافة من الأساس، والسؤال هنا هل طلب أحد منهم ذلك؟، تشير المعطيات الفلسفية لإدارة الأزمات إلى أن هذه السلوكيات غالباً ما تكون تطوعاً مجانياً من مسؤولين مرتعشين، يظنون أن تقديم قرابين الولاء عبر سحق كل من يتحدث في الشأن العام وللصالح العام وتكميم أفواهم هو السبيل الأوحد للحفاظ على مناصبهم.
فهل هؤلاء يصح أن يطلق عليهم مسؤولين، إذا أردنا محاكمة هذا الواقع بميزان الفلسفة الثقافية، فإن الإجابة القاطعة هي: لا، هذه ليست قيادات، وهذا النتاج ليس ثقافة، فالقيادة الثقافية هي التي تقود الاستنارة، وتحتوي التناقضات، وتتغذى على التعددية، وتعتبر النقد مرآة لتصحيح المسار ومؤشراً على حيوية الجماعة الثقافية، أما القيادة التي ترتعد من رأي على وسائل التواصل الاجتماعي، فهي قيادة مأزومة، تدير “مؤسسة عقابية” لا مؤسسة تنويرية، والثقافة التي ينتجها الخوف هي ثقافة مدجنة، منافقة، وفاقدة للروح، إذ إن إجبار المثقفين والفنانين على الصمت أو المديح القسري يفرغ المشهد من قيمته، ويحوله إلى جثة هامدة بلا حراك، مما يهدد الأمن القومي الفكري للبلاد، فالمجتمع الذي لا ينقد ذاته يصاب بالتحجر والضمور.
إن وطناً يملك عمقاً حضارياً وتاريخياً كمصر، لا يمكن لثقافته أن تُقاد بعقلية “الخوف والترهيب”، ولا يمكن لمثقفيه أن يخضعوا لسياسة “قطع لقمة العيش” التي تليق بعصور الإقطاع لا بعصر الذكاء الاصطناعي وبناء الجمهورية الجديدة، كما إن محاولة تدجين المثقف وتحويله إلى موظف مرتعش يخشى كتابة رأيه، هي جريمة في حق مستقبل هذا الوطن، لذا لن يتقدم مجتمع تقوده نخب ثقافية بعضها يرتعد من النقد، ويستقوي بالمنع، لذا فإن تطهير المشهد الثقافي من هذه القيادات الفصامية بات ضرورة وجودية، فالكراسي تذهب، والمناصب تزول، ولا يبقى في سجل التاريخ إلا الكلمة الحرة والمواقف الشجاعة والصالح العام الذي هدره هؤلاء قرباناً لعروشهم المؤقتة، لقد آن الأوان لكسر مقصلة الإقصاء، وإعادة الاعتبار للوعي الحقيقي الذي لا ينحني أمام التهديد
