«
بقلم الإعلامي خالد سالم
في زمنٍ اختلطت فيه المعايير، وأصبحت المهن تُمنح لمن لا يستحق، باتت مهنة الإعلام واحدة من أكثر المهن التي تعرضت للاغتصاب والتشويه. لم يعد الميكروفون أمانة، ولا الشاشة رسالة، بل تحولت في أحيان كثيرة إلى ساحة مفتوحة لكل من يملك واسطة أو شهرة عابرة أو عددًا من المتابعين، حتى وإن كان يفتقر إلى أبسط قواعد المهنة وأخلاقياتها.
الإعلام الحقيقي ليس ثوبًا يُرتدى، ولا مقعدًا يُشغل بالمجاملة، بل علمٌ وخبرة وتعب وسنوات طويلة من الدراسة والتدريب والاحتكاك بالواقع. الإعلامي الحقيقي يعرف معنى الكلمة وتأثيرها، ويدرك أن رسالة الإعلام أخطر من أن تُترك لعابر سبيل أو هاوٍ يبحث عن لقطة أو تريند.
لكن المؤلم اليوم أن أبناء المهنة الحقيقيين، ممن أفنوا أعمارهم في تعلم أصول العمل الإعلامي، أصبحوا خارج المشهد. كثير منهم يجلس في بيته بلا فرصة، أو يعمل في مهن أخرى لا تمت لتخصصه بصلة، فقط ليؤمّن قوت يومه وحد الكفاف. ترى مذيعًا يعمل سائقًا، وصحفيًا يبيع في متجر، ومخرجًا يقف في طابور الباحثين عن عمل، بينما تُفتح الأبواب على مصراعيها لأشخاص لا يملكون من الإعلام سوى المظهر والصوت المرتفع.
لقد أصبحت الساحة مزدحمة بمن لا علاقة لهم بالمهنة، حتى فقد الإعلام هيبته وقيمته وتأثيره الحقيقي. والنتيجة الطبيعية لذلك هي هذا الانحدار في المحتوى، وهذا التراجع في الوعي، وهذا الكم الهائل من الضجيج الذي يُقدَّم على أنه إعلام.
إن الأزمة ليست فقط في ضياع فرص العمل من أبناء المهنة، بل في ضياع الرسالة نفسها. حين يُقصى المتخصص ويُستبدل بغير المؤهل، تنهار المعايير ويصبح المشاهد هو الضحية الأولى. فالإعلام ليس استعراضًا، بل مسؤولية، وليس شهرةً فارغة، بل وعي وثقافة وقدرة على نقل الحقيقة.
“ادي العيش لخبازه”… ليست مجرد جملة شعبية، بل قاعدة للحفاظ على المجتمعات من الفوضى. فكما لا نقبل أن يجري الجراحةَ من لم يدرس الطب، ولا أن يصمم الأبراج من لم يتعلم الهندسة، يجب أيضًا ألا نسمح باغتصاب مهنة الإعلام وإقصاء أهلها الحقيقيين.
إن إعادة الاعتبار لأبناء الإعلام ليست رفاهية، بل ضرورة. لأن بقاء المهنة في يد غير المتخصصين يعني مزيدًا من التدهور، ومزيدًا من فقدان الثقة، ومزيدًا من تزييف الوعي.
سيظل الإعلام الحقيقي قائمًا بأبنائه الشرفاء، مهما حاول البعض إقصاءهم أو تهميشهم. فالموهبة وحدها لا تكفي، والشهرة ليست بديلًا عن المهنية، والكاميرا لا تصنع إعلاميًا، بل يصنعه العلم والخبرة والضمير.
