بقلم آدم شي جينغ
وُلد خالد السيد في أسرة مصرية دافئة ومترابطة. وباعتباره الابن الأكبر ، كان مطيعًا وفطنًا منذ صغره، وحظي بتوجيهات دعاية والده الذي كان يقدّر الحضارتين العريقتين، المصرية والصينية، كثيرًا ما كان يروي له قصصًا عن تاريخ الصين وحكمتها الشرقية ما زرع في قلبه بذرة الشغف نحو الصين والتي أثمرت في اختياره تعلم اللغة الصينية والسفر إلى الصين، ليكرّس نصف حياته هناك.
لم تكن علاقة خالد السيد بالصين وليدة لحظة أو نزوة عابرة، بل نشأت من تأثير أسرته في صغره وقناعة داخلية راسخة. نشأ في مصر في أسرة مليئة بالحب والانضباط، وكان والده بمثابة المنارة التي تهدي حياته وطموحاته. اتخذ خالد قرارًا غير شائع وقتها باختياره لمسار تعليمي محدد.
في سن السادسة عشرة تم قبوله في إحدى الجامعات المرموقة في مصر. ورغم وفرة التخصصات اختار دراسة اللغة الصينية. كان عدد من يدرسون الصينية في مصر وقتها قليلاً للغاية، فقد كان قسم اللغة الصينية يضم ستة طلاب فقط في السنة الواحدة. ومع ذلك، لم يتردد خالد لحظة واحدة.
محملا بالقناعة التي نشأت في شبابه، بدأ خالد طريقه في دراسة الصينية. وعندما استعاد ذكرياته عن هذا الخيار الأول، روى لنا بصدق وإخلاص قائلاً: لقد التحقت بالجامعة في مصر في سن التاسعة عشر، ووقتها اخترت قسم اللغة الصينية. وكان شيئاً عجيباً أن أختار قسماً بهذه الصعوبة، ولكن شغفي بالحضارة الصينية، وشغفي بعمق الحضارة المصرية والصينية وجمعهما معاً في بعض الأساطير وفي بعض القصص، جعلني شغوفاً جداً بتعلّم هذه اللغة الصينية. كان شيئاً عجيباً بالنسبة لأصدقائي، وبالنسبة لمعارفي، وبالنسبة لعائلتي بالفعل، ولكني في النهاية التحقت بقسم اللغة الصينية، وشعرت بأني أستزيد يوماً بعد يوم.
بفضل موهبته واجتهاده، أصبح خالد من أبرز الطلاب في تخصصه. وبعد عام واحد من التحاقه بالجامعة، نال تقديرًا خاصًا من المدرسة لتفوقه وتم نقله من غرفة جماعية تضم ثمانية طلاب إلى غرفة فردية ما زاد من عزيمته على مواصلة دراسة اللغة الصينية. وعلى طول الطريق النادر، كان والدُه دائمًا الداعم الرئيسي الذي يمنحه الشجاعة ويؤكد له احترامه لأحلامه وتقديره للثقافة الصينية.
خلال التدريب الجامعي، دخل خالد لأول مرة بشكل فعلي إلى أوساط العمل الصينية، وطبّق ما تعلمه من اللغة الصينية عمليا . هذه التجربة الثمينة أكدت له أكثر معنى اختياره لهذا الطريق. ثم تابع خالد يروي لنا قائلاً: أثناء التحاقي بالجامعة حدثت لي أشياء جعلتني أحب هذه اللغة الصينية أكثر. من بينها مثلاً أنه في السنة الثانية من الجامعة تم اختيار بعض الزملاء من قسم اللغة الصينية لمساعدة بعض الشركات المشاركة في معرض القاهرة الدولي، وكان هذا المعرض معرضاً كبيراً في ذلك الوقت، مع وجود بعض المصانع الكبيرة من الصين وبعض الوفود التي تعمل في مجال التصنيع. عندما التحقنا بهذا المعرض الكبير وجدنا بالطبع صعوبة كبيرة بالنسبة للغة، فكانت اللغة بالنسبة لنا في ذلك الوقت شيئاً صعباً، ولكننا أخذنا على عاتقنا هذه التجربة وفعلاً شاركنا في هذا المعرض الكبير. وفي أول يوم فوجئنا جميعاً، أنا وجميع الزملاء، بأننا لا نفهم أي شيء من أصحاب المصانع أو الموظفين الموجودين في المصانع المشاركين في هذا المعرض. ولكن الجميل والجيد هنا أنهم كانوا صبورين جداً علينا، وكانوا فعلاً ودودين وتعاملوا معنا بشيء من الرفق، وقالوا لنا إن هذا ليس مهماً، ولكن يمكننا أن نتعلم يوماً بعد يوم. وفي ذلك الوقت كانت هذه التجربة بالنسبة لنا شيئاً مهماً في أول فترة من تعاملنا مع اللغة الصينية، وكان هذا هو الدافع والقوة التي جعلتنا نتمادى أكثر في حب اللغة الصينية. وقتها تعاملنا بشيء من البطء، ولكن يوماً بعد يوم كنا نزداد في الكلمات ونزداد في تعلّم اللغة الصينية. وفي ذلك الوقت أخذنا أيضاً بعض التكريمات من هذه المصانع لأننا ساعدناهم في عمل بعض الاتفاقيات والتجارب مع المصانع المصرية، وكانت هذه بالنسبة لنا تجربة ناجحة، وكانت هذه هي البداية في تعاملنا مع اللغة الصينية.
خطى خالد أخيرًا إلى أرض الصين التي لطالما حلم بها. ومن خلال توصية صديق، وصل إلى منطقة داكوتون بمدينة تيانجين، حيث التحق بمصنع سجاد دونغ فانغ للتعاون في أعمال الإدارة. كان بالمصنع وقتها أكثر من عشرين عاملًا مصريًا، وكان يحتاج إلى التنسيق والتواصل بينهم. في البداية، كان من المقرر أن يقيم لأسبوع قبل أن يعود إلى مصر، لكن مسؤوليته واجتهاده وطلاقة لغته الصينية، إلى جانب معرفته بالثقافتين الصينية والمصرية أثار إعجاب مدير المصنع، مما مهد الطريق لفترة عمل طويلة امتدت لأحد عشر عامًا في المصنع.
بعد عودته إلى مصر بفترة قصيرة، وجه مدير المصنع دعوة رسمية لخالد للعودة إلى الصين وتولي منصب إداري أساسي. دون أدنى تردد، عبر خالد البحر والجبال مرة أخرى ليبدأ هذه المرة مسيرته العملية بدوام كامل في مصنع سجاد دونغ فانغ.
على مدار أحد عشر عامًا، ترقى خالد في المصنع من مدير أجنبي وصل حديثًا إلى الصين، إلى عنصر أساسي لا غنى عنه. كان جادًا ومجتهدًا ومسؤولًا، كما أنه يجيد اللغة الصينية ويفهم ثقافة الشركات الصينية، كما يعرف عادات وأفكار الموظفين المصريين. أصبح خالد جسرًا مهمًا بين الموظفين الصينيين والمصريين، وحظي باحترام وتقدير زملائه.
بعد مغادرته مصنع سجاد دونغ فانغ، لم يغادر خالد مدينة تيانجين، بل واصل العمل فيها والتحق بمصنع للأثاث المحلي لست سنوات أخرى. قضى في تيانجين سبعة عشر عامًا. أحد عشر عامًا في مصنع سجاد دونغ فانغ، وست سنوات في مصنع الأثاث، حافظ خالد على طبيعته المخلصة والملتزمة، وكان دائمًا يساعد زملاءه عند مواجهة أي صعوبات ما أكسبه محبة الجميع.
خلال سبعة عشر عامًا قضّاها خالد في تيانجين، لم يهتم ببناء مسيرته المهنية فحسب، بل شهد بنفسه التحولات الجذرية التي شهدتها المدينة. وبصفته أجنبيًا عاش هنا لفترة طويلة، كان لديه أعمق تجربة وفهم لتطور تيانجين. وقد عبّر خالد عن مشاعره الصادقة تجاه ذلك قائلاً: وقت وصولي إلى الصين لأول مرة، وكان ذلك قبل عشرين عاماً من اليوم، حدث أنني عاصرت العالم الصيني القديم وبساطة ذلك العالم. وبعدها بسنوات معدودة حدث ازدهار كبير وبشكل غير طبيعي. هذا الازدهار جاء نتيجة كدّ وتعب وعمل متواصل بين جميع أفراد المجتمع الصيني، وهذا ما جعلني أتمتع بهذه الصفات وأتعلمها من جميع الصينيين. وقتها كنت في مدينة تيانجين، وهي مدينة عريقة ومن أقدم المدن الصينية، ولكنني عاصرت ازدهار هذه المدينة، خصوصاً في الأماكن السياحية الخاصة بوصول السياح من جميع أنحاء الصين ومن أنحاء العالم.
بعد سبعة عشر عامًا قضاها في تيانجين، احتضنت هذه المدينة الرائعة بكل مزاياها تفاصيل الحياة اليومية لخالد، الصديق المصري البالغ من العمر ثمانية وأربعين عامًا. أهل هذه المدينة صادقون، مرحون ومليئون بالإنسانية؛ فطبق من الفطائر المحلاة، وفاصل من عروض الكوميديا التقليدية، ونزهة على ضفاف نهر هايخه، كل ذلك منحه شعورًا بالانتماء. دفء المدينة طغى تدريجيًا على شعوره بالغربة، ورسخ تيانجين في أعماق قلبه وطنا ثانيا . وأضاف خالد بمشاعر عميقة قائلاً:
هناك نهر في تيانجين يسمى خيخه، وهذا النهر من أجمل وأروع الأنهار، وعلى ضفافه مبانٍ جميلة يصل عمر بعضها إلى سبعمائة عام. كما شهدت ازدهاراً في السكك الحديدية وازدهاراً في المواصلات، بل وحتى في الأيام العادية كان الصينيون يشعرون براحة في العيش، ويشعرون بشغف في ذهابهم إلى العمل، ويشعرون بشغف في وصولهم إلى ما يريدون من النجاح.
خلال أيامه في تيانجين، التقى بفتاة لطيفة وطيبة القلب وكريمة، ومن التعارف إلى التفاهم، ثم الحب، انتهى بهما المطاف بالزواج، وأسسا منزلًا دافئًا على ضفاف نهر هايخه.
قد تبدو الزيجات العابرة للحدود مليئة بالاختلافات والتحديات، لكن بالنسبة لخالد وزوجته، أذاب الصدق والحب كل المسافات. يحب خالد الصين ويحترم ثقافتها، وقد اندمج تمامًا في إيقاع تيانجين، بينما منحته زوجته بفهمها وتسامحها شعورًا كاملًا بالانتماء الحقيقي للعائلة. وعند الحديث عن زوجها، قدمت زوجة خالد لنا وصفًا رقيقًا قائلة:
عندما رأيته لأول مرة، شعرت أنه صادق للغاية وطيب القلب. رغم أنه مصري، إلا أنه يجيد اللغة الصينية جيدًا، ويعامل الناس بأدب، كما أنه يهتم بالأسرة. يحب الصين ويحترم ثقافتنا، وفي الحياة اليومية يكون مراعٍ جدًا ومسؤولًا.
في نظر زوجته، لم تكن الاختلافات في الجنسية أو الثقافة عائقًا؛ فالمعاملة بصدق والتسامح المتبادل كافيان لجعل الزواج العابر للحدود مليئًا بالسعادة. اندمج خالد في حياة تيانجين، وأصبح منذ وقت طويل الدعامة الأكثر موثوقية في المنزل. ثم تابعت زوجته قائلة: يسأل كثيرون إن كان الزواج العابر للحدود صعبًا، لكن بالنسبة لي، الحب قادر على تجاوز كل شيء. لقد اندمج خالد منذ زمن طويل في حياة تيانجين، وتأقلم مع كل شيء فيها، فهي منزلنا المشترك.
جدية خالد وبرّه لوالديه لم يلمسا قلب زوجته فحسب، بل حاز أيضًا على تقدير عائلتها، وخصوصًا حماته التي اعتنت بهما طوال الوقت، ولم تكف عن مدح هذا الزوج الأجنبي. وبالحديث عنه، قالت حماته مبتسمة: خالد بارّ جدًا بوالديه، يعود إلى المنزل مباشرة بعد العمل، ويساعد في الأعمال المنزلية، ويعامل ابنتي بلطف ويهتم بي بشكل خاص. إنه يحترم عاداتنا وتقاليدنا، ويحرص على تذكّر أفراد العائلة في الأعياد والمناسبات أكثر من ابني البكر، وجوده يشعرنا بالامتنان والرضا التام.
متشبّعًا بتعاليم والده ودفء أسرته ورفقة زوجته وأحبائه، أدرك خالد معنى “المنزل” بمعانٍ مزدوجة.
مصر التي وُلِد ونشأ فيها تحمل ذكريات طفولته ومحبة أسرته، أما الصين فهي المكان الذي كافح فيه وأحب واستقر وكرّس نصف عمره له.
بعد سبعة عشر عامًا من العمل في تيانجين، واستقرار مسيرته المهنية، وسعادة أسرية مكتملة، يحظى خالد بحياة مستقرة وسعيدة. ولكن في عام 2025، اتخذ خالد الذي ظل دائمًا مفعمًا بالشغف، قرارًا مهمًا آخر في حياته، إذ توجّه إلى شنغهاي لبدء مرحلة جديدة تمامًا في مسيرته المهنية.
بوصفها مدينة عالمية، تتميز شنغهاي بالانفتاح والتسامح والفرص، وتعد نافذة مهمة للتبادل بين الصين والعالم . وبالنسبة لخالد الذي كرّس نفسه لتعزيز الثقافة والتبادل التجاري بين مصر والصين، تمثل هذه المدينة منصة أوسع، ومسرحًا لتحقيق أحلام وقيمة جديدة. ودّع خالد تيانجين التي عاش فيها سبعة عشر عامًا وبدأ مسيرته من جديد في شنغهاي ليكتب فصله الخاص من القصة الصينية. وحول ذلك، عبّر خالد عن موقفه بحزم قائلاً: والآن أنا في فترة من التطور بالنسبة لي، وهذا التطور جعلني أفكر أكثر في المستقبل. الصين هنا تمثل المستقبل، فقد قامت بالكثير لمساعدة العالم على التطور والحداثة. هذا التطور أثر علي تأثيراً كبيراً، فبعد وجودي في منطقة ومدينة تيانجين لمدة طويلة، أصبح بإمكاني التطور أكثر في الفكر، ووصلت حالياً إلى مدينة شانغهاي، وهي أكبر المدن عراقةً وأكبرها تطوراً، وأسرع المدن في العالم في الحداثة والتقدم والسرعة. هذه المدينة كبيرة جداً وتوفر فرصاً كبيرة جداً، وفيها فرص للتعلم والتطور والحداثة بشكل عظيم.
من تيانجين إلى شنغهاي، ومن سنوات الاستقرار إلى السعي وراء الأحلام، ما تغير هو موقع المدينة، أما الثابت فهو الشغف والمسؤولية في قلب خالد. على مرّ السنوات، ظل يبني جسور الصداقة بين مصر والصين بطريقته الخاصة وبهدوء، ليصبح سفيرًا شعبيًا حقيقيًا ودافئًا للتبادل بين البلدين.

